مقالات

د. حامد الحمود يكتب: مصر التي لا نعرفها..!

أبدى الكاتب الدكتور حامد الحمود إعجابه وانبهاره بالتاريخ المصري القديم بعد زيارة الأقصر وكتب مقالا في جريدة القبس الكويتية تحت عنوان “مصر التي لا نعرفها” جاء نصه كالتالي:

تأخرت كثيراً لمعرفة أهمية الأقصر، وهو الاسم العربي لمدينة طيبة. فمع أن الأهرامات موجودة في الجيزة في مصر الدنيا أو الشمالية، إلا أن الأقصر أو طيبة كان لها دور أكبر وأطول في التاريخ المصري القديم. كما أن معابد مثل الأقصر والكرنك ليس لها مثيل في شمال مصر. وزيارتي الأخيرة هذه للأقصر وأسوان كشفت لي كم أن مصر العليا أو الجنوبية مهمة في التاريخ المصري القديم.

ويقسم التاريخ المصري القديم إلى ثلاث حقبات أو ممالك، وهي المملكة القديمة (2700–2200 ق.م)، والمملكة الوسطى (2050–1800 ق.م)، والمملكة الحديثة (1550–1100 ق.م). أما الألف الأخيرة قبل الميلاد، فحكم مصر اليونانيون والرومان، الذين تبنى كثير منهم العادات والأديان المصرية القديمة. حتى إنهم استخدموا المعابد المصرية لممارسة عباداتهم، وأضافوا إليها بما يكمل الفنون المصرية القديمة. وفي زيارتي هذه، والتي كانت من ضمنها رحلة في النيل من الأقصر إلى أسوان، تمكنت من زيارة معابد الأقصر والكرنك التي تقع في الأقصر الشرقية، إضافة إلى مقبرة وادي الملوك ومعبد حتشبسوت في البر الغربي من الأقصر. وذاعت شهرة وادي الملوك بعد أن اكتشف عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر عام 1922 قبر توت عنخ أمون مع كنوز من مقتنيات هذا الملك، الذي حكم خلال الفترة «1341–1323 ق.م» ضمن حكم الأسرة الثامنة عشرة. وكان حكمه بعد أخناتين (1370–1358 ق.م)، والذي يهمني كثيراً كونه تبنى الوحدانية في فترة سبقت موسى عليه السلام بحوالي ستة عقود.

وفي الطريق إلى أسوان، توقفت السفينة التي استضافتنا أربعة أيام في معبد حورس في إدفو، وبعد أن وصلنا أسوان زرنا معبد فيلة، والذي شاهدنا فيه التداخل الفني بين العمران اليوناني والمصري القديم. وفي بداية زياراتي للأقصر أو طيبة، ظننت أن دورها كعاصمة كان مقصوراً على المملكة القديمة. لكن بعد زياراتي لمتحف الأقصر والقراءة في دليل للمتحف كتبته عبير الشهراوي، عرفت أن الأقصر/‏ طيبة كانت العاصمة للأسر من الثالثة إلى السادسة من المملكة القديمة خلال الفترة «2687–2191 ق.م».

والحقيقة اني سافرت لمصر العليا ولديّ شغف أن أعرف أكثر عن أخناتين أو أمينهوتب الرابع، فكنت قد قرأت بحثاً بعنوان «ديانة مصر القديمة ودين الوحدانية لموسى» نشره كارلوس أراك Carlos Araque في 17 مايو 2001 في Sil.tips، وعرفت منه أن «موسى» هو اسم مصري يعني الطفل.

والوحدانية أو الإيمان بإله واحد، كانت موجودة في مصر خلال حكم أمينهوتب الثالث، لكن أمينهوتب الرابع الذي سمى نفسه أخناتين فرضها كديانة وحيدة، بل إنه نقل العاصمة من الأقصر أو طيبة إلى تل العمارنة ليكون بعيداً عن تأثيرات المعابد الوثنية، خاصة أن أتين الإله الواحد، لا يصور من خلال صور أو تماثيل، وإنما يكشف عن نفسه عندما يبذل الفرد جهداً عقلياً، وهذا لا يحصل إلا للملك أخناتين وتلاميذه. وهذا الدين الوحداني الذي يمكن تلخيصه، كما يرى المؤرخ إيريك هودتنغ بالقول: «لا إله إلا أتين، وأن أخناتين نبيه». وهذا المنطق غريب على الديانات المصرية التي وظفت آلهة متعددة لأغراض متعددة. لذا كان اكتشاف هذا الدين ضمن الديانات المصرية القديمة بعد اكتشافات لمخطوطات في تل العمارنة العاصمة، التي اختارها أخناتين عام 1887، مفاجأة كبيرة. وهناك أكثر من سبب يدعونا لمقارنة دين أخناتين التوحيدي، بالدين الذي بشّر به موسى عليه السلام. فهذا الدين بدأ وازدهر في عهد أخناتين في 1370 ق.م، وانتهى بوفاته عام 1358 ق.م. وقام رجال الدين باضطهاد من اتبع هذا الدين التوحيدي، وفترة الاضطهاد استمرت عقوداً بعد وفاة أخناتين. وتبدأ علاقة ربط هذا الدين بتعاليم الوحدانية اليهودية كون أن موسى عليه السلام، وكما يقدر المؤرخون، عاش خلال العقود السبعة المباشرة بعد وفاة أخناتين.

الأمر الآخر الذي يربط اليهودية بدين أخناتين – إضافة إلى التوحيد ـ أن كليهما يأمر بتطهير الذكور، وإن كان هذا مفروضاً في جميع الديانات المصرية القديمة. إلا أنه كما أن هناك تشابهاً، فهناك خلاف بين هاتين الديانتين التوحيديتين. ففكرة ما يحل بالإنسان بعد الموت ليست أمراً مهماً في الديانة اليهودية، لكنها مهمة في ديانة أخناتين التوحيدية والديانات المصرية القديمة كلها. بل إن ما بعد الموت أهم من الحياة في الديانات المصرية بشكل عام. الأمر الخلافي الآخر بين اليهودية وديانة أخناتين التوحيدية، هو أنه في الأولى الإله يأمر بشن الحروب ويدعو إلى العنف أحياناً، بينما «أتين» إله أخناتين كان إلهاً مسالماً. لكن من المهم أن نتذكر أن اضطهاد اليهود في مصر حصل في الفترة نفسها، التي اضطهد فيها أتباع الديانة التوحيدية التي كان فرضها أخناتين. وقد بدأ هذا الاضطهاد بتولي توت عنخ أمون قيادة مصر، بعد وفاة أخناتين.

وهذه المعابد التي زرتها خلال ثمانية أيام، سواء كانت في الأقصر أو طيبة، أو في الطريق إلى أسوان وفي أسوان نفسها، لم تكشف عن نفسها بهذه السهولة. فكانت جهود علماء آثار أوروبيين ضرورة لاكتشافها. وقد كشفت عن جمالها أكثر خلال العقود الأخيرة بعد إزاحة الرمال التي كانت تغطيها. وفي رواية بينيلوب لا يفلي Peanlope Lively «مون تايجر»، تقارن الشخصية الراوية بين زياراتها لمعابد الأقصر وأسوان 1942 خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كانت مراسلة حربية في القاهرة، وزيارتها لهذه المعابد نفسها في أول الثمانينات. فتذكر أنه في الأولى «كنا نمشي بمستوى قريب من قمة أعمدة المعابد».

الأمر المستغرب أن هذه الحضارة التي دامت حوالي ثلاثة آلاف سنة، تبقى ضعيفة التأثير في حياة وسلوكيات المصريين. فعندما سألت مصرياً: هل يمكن أن تسمي ابنتك بحتشبسوت، وهي من أهم ملكات المملكة الحديثة في طيبة، وهناك معبد باسمها؟ ضحك من سؤالي. وبالطبع عندما تقتصر الزيارة على معابد ومتاحف تصبح ثقيلة، فلا بد من تخفيفها بالحديث مع المصريين بمختلف أعمالهم. مع المرشد السياحي وسائق التاكسي والحنطور، وصاحب المقهى. وتحدثت مع صاحب مقهى بحضور ابنه الطالب في المتوسطة، فأخبرني أن المدارس ضعيفة، ولا بد من معلم خصوصي، وأن ذلك يكلف حوالي مئتي جنيه بالشهر، حيث يحضر الطالب درساً خصوصياً بمعية طلبة آخرين.

وهناك صور لا تنسى، أهمها تلك المراكب الصغيرة التي كانت تلاحق سفينتنا عارضة بيع ملابس وبضائع أخرى. وكم أعجبتني حذاقة صاحب المركب الصغير برمي الأكياس من مركبه الصغير إلى سطح السفينة الذي يصل لعشرين متراً. ولن ننسى زيارة غرفة الكابتن، التي كانت بمستوى السطح الأعلى للسفينة. فقد نادتني زوجتي لنزور غرفة الكابتن – الذي كنا نتوقعه بلباس رسمي – فإذا الكابتن بالجلابية، والذي عندما تحدثت معه عرفت منه أن خريجي الكليات البحرية غير مناسبين للعمل في هذه السفن النهرية، فهم يعتمدون على الأجهزة والمعدات. أما قيادة مثل هذه السفينة فتحتاج إلى معرفة بمجرى النيل الذي يتغيّر بتغيّر اتجاهات الطمي.

ولعل أجمل ما شاهدناه كان منظر النيل في أسوان، خاصة أن فندقنا كان في جزيرة التماسيح، الذي يسمح بمنظر بانورامي لضفتي النيل، الذي بدا عذباً نظيف المياه. لكن الأغرب هو قدرة الشعب المصري على التكيف مع الضغوطات الاقتصادية.

ويبقى هناك عالمان: عالم يعيشه السياح، وآخر يعيشه المواطن المصري. وفي جولة بمركب في النيل بأسوان كان الطفل مشغولاً بمساعدة والده على توجيه الشراع، لكن عندما شاهد الطفل فندق كتراكت، الذي كان يسكن فيه الملك فاروق عندما يزور أسوان، نبهنا متعجباً إلى أنه في هذا الفندق فإن كباية الشاي تكلف ثلاثمئة جنيه أو ما يعادل ثلاثة دنانير!

د. حامد الحمود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى