حجاج بوخضور يكتب: كيف تُصنع الهيبة السياسية بالدين؟

في الأنظمة الديمقراطية والعلمانية حين تُسوّق السياسة بلغة السماء، تتحول المصلحة من خيار قابل للنقاش إلى معنى يُستدعى له الإيمان؛ فلا يعود الخلاف معها خلافا على تقدير بشري، بل يُدفع الناس إلى تلقيها بوصفها ضرورة ذات هالة مقدسة…
وهنا تتضاعف قوة السياسة؛ لأنها لا تخاطب الحساب وحده، بل الوجدان والهوية والخوف والرجاء.. فالشعار الديني لا يمنح القرار شرعية فحسب، بل يخفف مقاومة الجماهير له، ويحوّل التنازل إلى حكمة، والتحالف إلى رسالة، والمصلحة إلى قيمة أعلى من تفاصيل الواقع…
لكن الخطر يبدأ حين تُخلط قداسة الرمز بتدبير الأرض؛ إذ يصبح نقد السياسة أقرب إلى مساءلة المقدس نفسه، وتدخل الشعوب في التباس بين ما هو تعبدي ثابت، وما هو اجتهاد بشري متغير…
ولذلك لم تكن أخطر أدوات النفوذ عبر التاريخ هي السلاح وحده، بل القدرة على صبغ القرار السياسي بلغة تمنحه مهابة تتجاوز طبيعته البشرية؛ فالإنسان قد يقاوم القوة، لكنه يتردد طويلا قبل مقاومة ما يظنه متصلا بالسماء…
فالمشكلة ليست في أن تستلهم السياسة قيم الدين، بل في أن تُرفع التقديرات البشرية إلى مرتبة تُعطّل مساءلتها، أو يُستعار الرمز المقدس لتسويق ما يبقى في حقيقته اجتهادا سياسيا قابلا للنقد.


