المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: معجزةٌ تُرى بعد صاحبها

في قاعة جمعت أكاديميين لاهوتيين من اليهود والمسيحيين والمسلمين، سأل محاضر الحضور: من يؤمن بموسى عليه السلام ومعجزاته؟ فارتفعت الأيدي.. ثم سأل: من رأى شيئًا منها؟ فلم ترتفع يد.. وتكرر المشهد مع عيسى عليه السلام؛ إيمان بالرسالة، وتصديق بالمعجزة، دون شاهد عاينها…
ثم رفع القرآن وسأل: من يؤمن بمحمد ﷺ ومعجزته؟ فارتفعت أيدي المسلمين.. ثم أردف: من لم يرى معجزة محمد ﷺ؟
وهنا تبدّل معنى السؤال؛ إذ لم يعد الحديث عن آية انقضى زمانها، بل عن نصّ ما زال حاضرا بين الناس، يُتلى كما تُلي أول مرة، ويعرض نفسه على العقول جيلا بعد جيل…
فمعظم المعجزات تصل إلى الأجيال اللاحقة عبر الرواية والشهادة، أما القرآن فيتقدم بنفسه موضوعا للنظر والحكم؛ لا يطلب من الإنسان أن يصدق خبرا غاب، بل أن يواجه نصا قائما ثم يكوّن موقفه منه…
وهنا تكمن خصوصيته الأبرز: أنه لم يتحول إلى أثر تاريخي يُزار، بل إلى سؤال حيّ يُناقش. فبعد أكثر من أربعة عشر قرنا، ما زالت معجزته حاضرة في الإيمان والبحث والنقد والدفاع.. وإذا كانت الكتب تُقاس بما بقي منها، فإن القرآن يُقاس أيضا بما له من حضور والذي يتجاوز معجزات الزمن.. فالسؤال لم يعد: ماذا قال قبل قرون؟ بل: بأي قوة بقي النص في مركز البحث الإنساني، بعدما غاب شهود عصره…HB




