أرواح أم سباحون؟.. لغز الرسوم الصخرية في الصحراء الغربية بالوادي الجديد

في قلب الصحراء الغربية المصرية، وعلى هضبة الجلف الكبير الشاهقة بمحافظة الوادي الجديد، يتربع أحد أهم كنوز ما قبل التاريخ في صمت بعيدًا عن الأضواء؛ إنه “كهف السباحين”، الموقع الأثري الاستثنائي الذي تزدان جدرانه برسومات صخرية يتجاوز عمرها عشرة آلاف عام.
الرسوم الصخرية في الصحراء الغربية
ولا تقتصر أهمية هذه الرسومات على كونها نقوشًا على الصخور، بل إنها تعيد رسم صورة مختلفة تمامًا للصحراء التي كانت يومًا ما أرضًا خضراء نابضة بالحياة، وتفتح نافذة واسعة على عالم الإنسان الأول ومعتقداته وعلاقته بالطبيعة.
وأكد الأثري محمد إبراهيم، مدير آثار الوادي الجديد، أن الكهف يمثل “شهادة حية على التغيرات المناخية عبر آلاف السنين، ودليلًا قاطعًا على أن هذه المنطقة الصحراوية كانت يومًا موطنًا لبحيرات وحياة برية غنية”، مشيرًا إلى أن الرسومات تثير تساؤلات مهمة حول طبيعة الحياة والمعتقدات في عصور ما قبل التاريخ.
لا يُعرف على وجه الدقة متى وطئت أقدام البشر الأوائل أرض مصر، إلا أن الدراسات العلمية تشير إلى أن الهجرات البشرية الأولى انطلقت من قارة أفريقيا قبل نحو مليوني عام.
لغز “السباحين” في صحراء الوادي الجديد
ويرى علماء الآثار أن مصر كانت معبرًا رئيسيًا نحو آسيا خلال العديد من تلك الهجرات الكبرى، وهو ما يجعلها واحدة من أهم مناطق البحث لفهم تاريخ الإنسان.
وقال محمد إبراهيم: “مصر لم تكن فقط مهدًا لحضارة عظيمة لاحقًا، بل كانت أيضًا جسرًا طبيعيًا لعبور البشر الأوائل في تنقلاتهم الكبرى”.
تكشف الأبحاث الأثرية الحديثة أن مناخ مصر في عصور ما قبل التاريخ كان أكثر رطوبة ودفئًا، وأن مساحات شاسعة من الصحراء الكبرى الحالية كانت أراضي خصبة تنتشر بها البحيرات وتغطيها النباتات والأعشاب.
وتؤكد رسومات كهف السباحين هذه الحقيقة؛ إذ تُظهر أشخاصًا في أوضاع تشبه السباحة، ما دفع عددًا من العلماء إلى الاعتقاد بأنها توثق حياة يومية ارتبطت بالمياه والأنشطة البشرية حول البحيرات.
في المقابل، يرى باحثون آخرون أن تلك الرسومات تحمل دلالات رمزية وروحية، وقد تعبر عن مفاهيم مرتبطة بالموت والخلود والحياة الأخرى.
يقع كهف السباحين في قلب وادي صورة، أحد الأودية الواقعة بهضبة الجلف الكبير جنوب غرب مصر بالقرب من الحدود الليبية.
وفي أكتوبر عام 1933، اكتشف المستكشف المجري الشهير لازلو ألماسي الكهف خلال إحدى بعثاته الاستكشافية بالصحراء الغربية.
وقال محسن يونس، مدير الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، إن الرسومات أدهشت العلماء، إذ عثر ألماسي على مشاهد بشرية واضحة لأشخاص في أوضاع سباحة، إلى جانب رسوم لحيوانات مثل الزرافات وأفراس النهر.
وأضاف أن ألماسي خصص فصلًا كاملًا لهذا الاكتشاف في كتابه الشهير “الصحراء المجهولة” الصادر عام 1934، وطرح فيه فرضية أن الرسومات تجسد واقع الحياة اليومية في زمن كانت فيه المنطقة أكثر رطوبة واعتدالًا مناخيًا.
لا يُعد كهف السباحين الموقع الأثري الوحيد في وادي صورة، فالمنطقة تضم عددًا كبيرًا من مواقع الفن الصخري المميزة.
ويحتوي “الكهف C” على رسوم متنوعة لأشكال بشرية، بينما يضم “الكهف D” لوحة صخرية طويلة تصور أبقارًا ورماة، فيما يحتفظ “الكهف F” برسوم رائعة لهيئات بشرية وزرافات.
كما تقع بالقرب من هذه المواقع “صخرة الزرافة” الشهيرة التي اكتشفها المستكشف باتريك كلايتون عام 1931.
وأوضح محسن يونس أن هذه الرسومات تمثل أرشيفًا بصريًا فريدًا للحياة البرية والأنشطة البشرية خلال عصور ما قبل التاريخ.




