مقالاتمقالات كتاب الموقع

حجاج بوخضور يكتب: حين يعرفك المكان أكثر مما تعرف نفسك

مؤلم أن تحزن في المكان الذي خبّأت فيه ضحكاتك يوما؛ كأن الجدران تستعيد نسختك الأولى، ثم توقفك أمام المسافة الفادحة بين قلب كان ممتلئا، وروح أنهكها الفقد…

في الحيّ القديم لم تكن الجيرة قرب بيوت فحسب، بل قرابة أرواح؛ قلوب متآلفة، ونفوس سمحة، وطيبة تعبر العتبات بلا استئذان.. كانت السعادة هناك هواء خفيفا نتنفّسه، وألفة تجعل الحياة ألين وقعا، وأقربَ إلى الطمأنينة…

لكنّ المفارقة الأقسى أنّ المكان الذي كان يحمينا من الوحشة صار يفضحها؛ وأن الزوايا التي شهدت امتلاءنا لا تمنحنا عزاء العودة، بل توقظ فينا شعور الغريب الذي عاد إلى بيته متأخرا..

فالأماكن لا تحفظ خطواتنا فقط، بل تختزن إيقاع أرواحنا حين مررنا بها آمنين؛ لذلك يكون الحزن في موضع الألفة أثقل من حزن الأماكن العابرة.. هناك لا نفقد لحظة مضت، بل نفقد صورتنا التي كنّاها: قربا، وسكينة، ومعنى…

لهذا تؤلمنا بعض الزوايا لا لأنها تغيّرت، بل لأنها بقيت أمينة لذاكرتها، بينما خنّا نحن نسختنا الأولى؛ ما تزال تعرفنا كما كنّا، في اللحظة التي نعجز فيها عن معرفة أنفسنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى