محمود الشربيني يكتب ل”مصريون”: بعد قرار السماح للمغتربين باستيراد سيارة من الخارج : أنا من ضيع في وهم إنزال سيارة من الكويت .. عمره !
رحلتى كمغترب .. مع سيارة العمر الضائع! الحلقةالأولى

أقول للحكومة : أن تأتى متأخرًا أفضل من أن لا تأتى أبدًا!
تبيع الدولة المصانع والشركات الانتاجية العملاقة ( الأسمنت والحديد والكوك) ..كما باعت من قبل وكما سوف تبيع، فالحبل لايزال على الجرار .لا أحد يوقف هذه البيوع الخاسرة ..بل يُجْبَرْ رؤساء مجالس إدارات هذه الشركات الكبري على الإعلان عن خسائر منوا بها ، بدلا من أرباح ومكاسب حققوها!! برج من عقل الناس- لعله الأخير – هيطير ! طبعًا .. فالدول تناضل وتكافح من أجل أن تنتج وتصنع وتصدر انتاجها ، بعد ان تكفى أسواقها المحلية ، فلا ترهن نفسها ولا تسجن قرارها وتضعه تحت رحمات الاستيراد الذي يستنزف عملتها الصعبة ، مما يجعل من عملية توفير هذه العملة أصعب وأصعب .. وأنت تبيع دجاجة انتاجك التى كانت تضعك على سكة قطار التقدم والتطور!
-تتأزم الأمور ..وتتعقد الأوضاع .. ويسوء حال الاقتصاد ، كونه ريعيا وليس أنتاجيًا ، و يتعيش على البيع وريع البيع وعائداته ، فتلجأ الدولة الى قرارات كانت مطروحة فى الماضي .. وظلت قيد البحث عشرات السنين ، وتظل ترفضها وترفضها ..وحينما يبدو أن “الفاس وقعت فى الراس “تقرر على طريقة الخميني أن تتجرع السم فجأه وتوقف إطلاق نار الرفض على هذه القرارات ! وكأنى بها ترواغ وتسعى لامتصاص الغضب ، أو تلفت الأنظار وجهات أخري ، أو ربما تحاول على الأقل بث الأمل فى نفوس تبحث عن قشة للتمسك بها ، قبل غرق المراكب!
-المراكبي .. قرر مؤخرًا السماح للمصريين العاملين بالخارج بأن يستوردوا سيارة لهم من الخارج ، مقابل وديعة دولارية تبقى فى داخل البنوك لبضع سنوات ، هذا هو القرار الحلم للقبطان الدكتور مصطفى مدبولي ،مراكبي الحكومة .. رئيسها .. الحلم الذي كنا ونحن نعمل بالخارج نترقبه على مدي سنوات طويلة دون جدوي . وفى كل مرة كان الموضوع يطرح فى الإعلام على انه محل دراسة الحكومات المتعاقبة ، ونمني أنفسنا بأنه سيتم إقراره ، ثم تنتهى الأحلام “على فشوش”!
-كنت وآلاف غيري نعيش فى الخارج لأكثر من ربع قرن ..وكنا نشتري سيارات بالجملة .. أملاً فى حل معضلة امتلاك سيارة ركوب – زي الناس – فى مصر! مثلا كاتب هذه السطور كان هاجسه الدائم منذ سفره الى الكويت أن يبقى فقط أربع سنوات ، يمكنه خلالها شراء سيارة .. “ينزلها مصر”، بعد أن يدفع جماركها بالشروط الغريبة التى كانت تعلنها الدولة .. ( هناك فرق بين السيارة وهى “فاضية ” أي من دون كماليات وبين السيارة وبها “كاسيت وتكييف وولاعة “! )
-فى البداية و بعد أن أرهقت زملائي مثل خالد الكويتي وعبد الرافع وحسام فتحى وأحمد سمير وسيد حجازي وخيري فايد ..وسيد هويدي ،وعبد المنعم السيسي ، وسائقي التاكسيات ، من توصيلهم المستمر له سواء فى الصباح الباكر ، إلى حيث كان يعمل فى قسم الأعلام بالهيئة العامة للتعليم التطبيقى والتدريب ، أو ظهرًا إلى شارع الصحافة ( بداية بجريدة الأنباء، فالوطن ، فالسياسة فالشاهد وختامًا فى صحيفة الدار ) ..بعد بضع شهور من وصولى إلى الكويت ، وفى محاولة لإنهاء أزمة التوصيل المُكْلِفَة ، ذلك أن ركوب أي سيارة فى الكويت يكلف صاحبها ليس أقل من دينار فى التوصيله الواحدة ، والرواتب فى البدايات تكون ضعيفة .. ومن هنا انتهزت عرضًا من شركة تويوتا ، واشتريت منهم بنظام الاستئجار المنتهى بالتملك سيارة تويوتا كورولا -تيرسل لونها بوستاج بمبلغ ٤الاف وستمائة دينار عام ١٩٩٤. لم أكن درست شروط هذا النوع من التملك بالكامل .. كنت مهتما بأن تكون ١٣٠٠سي سي .. وجير (فتيس) عادي ..وهى شريحة معقولة وجماركها- كان يقال- أن دفع قيمتها مقدور عليه . وتخيلت أن ” صلاح الساير” وكيل تويوتا. سيعطيني شهادة بأننى المالك الأول للسيارة بنفس تاريخ شرائي لها .. وذلك مع شهادة منشأ تقطع بأن السيارة لم تمر على موانيء إسرائيلية أو تصنع بها !
تخيلت .. وطلع “نأبى على شونة ..فاضية ” .. أننى حللت مشكلة المالك الأول ، – التى ضيعت عمري وفلوسي بلا مبالغة – مسألة المالك الأول ظلت مؤرِقًة لى وللملايين غيري ، مثل جرثومة المعدة .. تصيبك بمعاناتها دون أن تعرف لها حلا أو علاجا ، ففى كل مرة أن تحاول أن تحل الاشكالية ، فتخلص من “نقرة تقع فى دحديرة “!هذه النُقْرَه جعلتني اشتري بعد خراب مشروع ال “تيرسل “-الذي اصطدم بفكرة أنني مالك أول أمام الشركة فى الكويت ، ومالك ثاني أمام سلطات المرور فى مصر – سيارة ثانية “جديدة لانج” طراز لادا نيفا .. روسية الصنع ..زيتية اللون ..تبدو كسيارة دفع رباعى ..من النوع جيب ..التى كانت تخلب الألباب منذ بدايات ظهورها. واقبال فتيات الكويت عليها، وكان تحولا رهيبًا فى المجتمع ، فكم كانت تصلنا فى الجريدة انتقادات كويتيتين لهذا النوع من الفتيات ، يرونهن مستهترات .. ومسترجلات ونحو ذلك .
كانت ال “لادا نيفا” الجديدة – ومن عشاقها فى مصر يحيي الفخرانى فى بداية حياته وكاتب المسرح الداعى الى التطبيع مع إسرائيل على سالم – رخيصة السعر ..ثمنها الفان ومائتا دينار ..وكانت تباع عند وكيل واحد هو سلطان السالم .. وأما مواصفاتها فهى 1600سي سي . وفيها فتيس عادي ، وأيضًا فتيس غرز “تعبان “! هنا كان “المغرز” الثانى وربما الثالث ..فهذه الشريحة من السيسيهات جماركها أكبر ..وأزعجني أن فتيس الغرز فى اللادا نيفا هذه ليس كفئا عكس ما منيت نفسي ، بعبور الفيافي والتخييم فى الصحاري .. و اجتياز أهوال الجبال .. والتحرك بسيارتى ولو بنصف تحركات ” اللاند كروز” الاسطورة اليابانية ، كما تسوقها لنا الدعايه فى الاعلانات وهى تمرق فوق الجبال بثبات وقوة ونعومة !كان فتيس غرز اللادا نيفا يعمل “على سطر ويسيب سطر” .. ويصعد درجة سلم ويتعثر فى الثانية ..وكان أن قررت أن أستبقيها للسفر .. وأن اترك التيرسل فيما بعد – وعمرها عامان لا أكثر – لزوجتي الأولى (!!)وبالفعل قبل زواجى سافرت بها إلى القاهرة ، وكان عمرها شهران ..اجتزت بحمولتها جمارك السعودية بكل رهبتها! . أنزلت الأمتعة على الأرض ،وابتعدت عن السيارة حسب التعليمات ،فلما جاء ضابط الجمارك بهيئته الوجيهه .. وسمرته المميزة .. وقامته المنتصبة سأل “سيارة منو “؟ اقتربت منه وأعطيته أوراقى . تهلل كثيرًا .. وبدا لى أنه من تلك الفئة التى تحترم الصحافة وتعشق هذه المهنة ( زمان طبعًا) شعرت أن لتهلله – غير المتوقع – له علاقة بمهنتي كما كان يحدث معى ..ولم أتخيل أن له علاقة بلقبي وعائلتى .. سألني : إنت قريب لحسين
الشربيني ؟ أدركت المغزي ؟ فحتما هو يحب الفنان حسين الشربيني ..فقلت بسرعه :وميمى الشربيني وحكمت الشربيني .. طبعًا يقرب لى .. إنه إبن عمى . ابتسم ومنحنى الأوراق وتوقيعه وخاتمه .
بركاتك يا نيفا .. ووصلنا جمارك الأردن ..كان أسلوب عملهم يبدو كسهل ممتنع ..انت وحظك .. فكبار الجمركيين يحرصون على أن لا تصطحب معك سلعًا معمرة أو أجهزة كهربائية ..وبالتالى فهم يكشفون على”كراتينك” المحمولة عبر انفاذ سيخ حديدى طويل يمر بمنتصف الكرتونه ، فإذا اخترقها فأنت و شحناتك آمنون !وياخسارتك -أو ياويلك ياسواد ليلك “إذا توقف السيخ المدبب فى الوسط ، فإما يكسر شاشة التليفزيون ، أو ستتهم بأنك كنت تحاول تهريبة لتبيعه فى العاصمة عمان ..جريمة تهريب جمركي بامتياز فى عمق المملكة الأردنية الأردنية”.. ساعتها أنت وحدك تماما!
اللادا نيفا ليست رفيقة سفرجيدة ..فبعد شهر فى القاهرة .. حدث عطل. فى السيرفو ! كانت السيارة تقف وكأنها “اتكلبشت”! ذات ظهيرة كنت فى ميدان القصر العيني .. وقفت السيارة فجأة. ورفضت أن تتحرك .. دهش الناس ..السيارة جديدة و بتلمع..و عطلانه! أخرج أحدهم رأسه من داخل الميكروباص المارق أمامى كالسهم وهتف فى وجهى قائلا:” إديني أنا العربية دي وهفرجك هعمل بيها إيه “؟!
تقريبا كان بيلمح تلميح مش مريح .. فقلت فى نفسي “آه انت هتعلق بيها بنات ونسوان اكتر منى” !
محمود الشربيني
يتبع غدًا



