خواطر للمفكر الكويتي/ حجاج بوخضور

لماذا يبدو الحوثي أكثر تماسكا في إدارة الحرب؟
الحوثي لا يبدو أكثر تماسكا لأنه يملك رجالا أو سلاحا وأرضا أكثر، بل لأنه نجح في تحويل الرجل والسلاح والعقيدة والمعلومة إلى منظومة؛ بينما يملك الجيش الوطني قوى كثيرة لم تتحول بعد بالكامل إلى قوة عسكرية ذات قرار واحد…
ميزته الأساسية ليست العدد، بل وحدة الوظيفة: قيادة أكثر مركزية، وعقيدة تعبئة، وأجهزة أمن، وسلسلة قرار تربط المعلومة بالفعل.. وفي المقابل، تتقاطع لدى خصومه تشكيلات وولاءات ومصالح ومراكز قرار متعددة..
الحوثي أعاد تشكيل سلطته لخدمة الحرب؛ بينما تحاول الدولة خوض الحرب ببنية لم يكتمل توحيدها…
ثم جاءت خبرة عقدين من القتال؛ من صعدة إلى صنعاء وما بعد 2015.. لم تكن سنواتٍ مرت، بل مختبرا طويلا للتعلم والانتقاء والتكيف تحت النار…
والدعم الخارجي لم يضف للحوثي سلاحا فقط؛ بل معرفة وتقنيات وتدريبا، حتى أصبح لديه قدرة محلية على الاستيعاب والتجميع والتصنيع يصعب اختزالها في مجرد شحنات تأتي من إيران…
لذلك فالسؤال ليس: من يملك رجالا أكثر؟ بل: من يستطيع تحويل الرجال والسلاح والمعلومة والقرار إلى عقل عسكري واحد؟…
وهنا تكمن قوة الحوثي، وهنا أيضا موضع هشاشته: فالرجال يُستبدلون والسلاح يُعوّض؛ لكن إذا تعطلت الشبكة التي تصل القيادة بالمعلومة والتمويل والإمداد والتنفيذ، لا تخسر المنظومة قطعة من قوتها فقط؛ بل تخسر قدرتها على تحويل القطع إلى قوة…HB
حين تتحول المؤامرة من حدث إلى عقل
أسهمت تيارات قومية وإسلامية وليبرالية، ومعها خطابات الخوارج، بدرجات وصور متفاوتة، في تشكيل قطاعات من الوعي العربي بعيدا عن الواقعية السياسية؛ فاختُزل العالم أحيانا في مسرح لمؤامرة دائمة، بدل فهمه شبكة معقدة من القوة والمصالح والفرص والقيود…
ومع هذا الاختزال تزدهر الشعبوية: تفسير بسيط لعالم معقد، وعدوّ يصلح لتفسير كل إخفاق، وشعار يمنح الانفعال سلطة أعلى من البرهان…
وهنا تتحول المؤامرة من احتمال يحتاج دليلا إلى عقل يفسر كل شيء: نجاح الخصم مكر، وفشلنا مؤامرة، وما نجهله نملأ فراغه بقصة سرية…
والخطر سياسي قبل أن يكون معرفيا؛ لأنك حين تمنح خصمك قدرة شبه مطلقة على صناعة واقعك، تمنحه ما لم يأخذه منك أصلا: قدرتك على الفعل…
فالوعي السياسي لا ينكر المؤامرات؛ الدول تخفي وتخدع وتتآمر.. لكنه يفرق بين مؤامرة تُثبت، ومصلحة تُحلل، وفشل نتحمل مسؤوليته…
فأخطر انتصارات خصمك أن تراه فاعلا في كل شيء، حتى لا تعود ترى نفسك فاعلا في شيء وهذا للاسف هو أسوء هزائمنا…HB




