وجهة نظر: مضيق هرمز ليس المشكلة… فهل خطوط الأنابيب هي الحل؟.. بقلم| د. عبدالسميع بهبهاني

كل مشروع بديل عن مضيق هرمز هو في جوهره بوليصة تأمين ضد خطر محتمل، والسؤال ليس إن كان ممكناً هندسياً، بل إن كان ثمن هذه البوليصة أقل من الخسارة المتوقعة. على مدى عقود، ارتبطت القوة النفطية بحجم الاحتياطيات وتكاليف إنتاجها، إلا أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة أثبتت أن هذه المعادلة لم تعد كافية. فالقيمة الاقتصادية للنفط والغاز أصبحت تقاس أيضاً بقدرة الدول على تأمين سلاسل الإمداد، في مختلف الظروف. ومن هذا المنطلق، تمتلك دول الخليج العربي مقومات يصعب منافستها، إذ تضم أكبر تجمع عالمي للثروات الهيدروكربونية في بيئة إنتاج منخفضة التكلفة، مدعومة بملاءة مالية كبيرة وخبرات تشغيلية متراكمة، فضلاً عن موقعها الذي يجعلها القلب النابض لتجارة الطاقة العالمية. ورغم نجاحها في بناء نماذج تعاون مؤثرة، مثل مجلس التعاون الخليجي و»أوبك»، فإن تكامل هذه المزايا لا يزال دون مستوى الضمان. تبرز الكويت نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. فهي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، نجحت في تعزيزها من خلال التوسع في استكشاف المكامن الأكثر تعقيداً، لتحقيق مستهدفات رؤية 2040. ولم يعد النقاش يدور حول زيادة الإنتاج فحسب، بل حول بناء منظومة متكاملة بتوسيع قدرات التخزين، والاستثمار في خطوط الأنابيب والممرات اللوجستية لأمن التصدير، وربطها بمشروعات النقل الإقليمية. فالتحدي هو إيصال الإنتاج إلى الأسواق العالمية بكفاءة واستمرارية، مهما بلغت التحديات الجيوسياسية. من هنا عند مناقشة بدائل تصدير النفط الكويتي بعيداً عن مضيق هرمز، ينبغي أن ينطلق التقييم من منظور فني ولوجستي واقتصادي، بعيداً عن الاعتبارات العاطفية أو الطروحات غير المدعومة بالحقائق. فالخيارات النظرية متعددة، تشمل البدائل المطروحة الربط مع ينبع، وجيهان، والفجيرة، وسوميد، والموانئ الإيرانية، إضافة إلى خيار النقل السككي، لنقل النفط إلى منافذ أكثر أمناً. غير أن جميعها تصطدم بالسياسة قبل الهندسة، فقد شهد الشرق الأوسط إنشاء أكثر من أربعة عشر خط أنابيب رئيسياً، توقف معظمها بفعل الحروب والخلافات السياسية. وبينما نجحت السعودية والإمارات في إنشاء خطوط داخلية عززت نسبياً أمن صادراتهما، فإن أي مشروع عابر للحدود يظل رهناً بالتوافق السياسي والجدوى الاقتصادية واستدامة التشغيل. ومن هذا المنطلق، يبدو أن أكثر الخيارات واقعية للنقاش هو الربط بين الكويت وميناء ينبع، رغم ما يتطلبه هو الآخر من ترتيبات استراتيجية واستثمارات كبيرة. يستوجب تقييم خيارات نقل النفط عبر خطوط الأنابيب فهماً دقيقاً لآلية احتساب رسوم العبور والتشغيل، بعيداً عن الانطباعات العامة. فالعقود الدولية لا تعتمد على تعرفة موحدة، وإنما تُحدد وفق عوامل رئيسية تشمل طول الخط، والطاقة الاستيعابية، والتضاريس، وحجم التدفقات، وكلفة التمويل والتشغيل، فضلاً عن مستوى المخاطر السياسية.
وبصورة عامة، تبلغ رسوم نقل النفط الخام نحو دولارين للبرميل (لمسافة 500 كم)، بينما تنخفض في بعض الخطوط الرئيسة ذات السعات الكبيرة إلى أقل من دولار واحد للبرميل. وفي المشروعات العابرة للحدود، يضاف عادة بند «اشحن أو ادفع» (Ship or Pay)، الذي يُلزم المنتج بدفع رسوم السعة المحجوزة حتى في حال تعذر الضخ، بما يضمن للمستثمر استرداد رأس المال واستمرارية المشروع. وفي الحالة الكويتية، فإن أي مشروع لتصدير النفط عبر أراضي دولة أخرى يفترض إنشاء منظومة متكاملة تشمل خطوط الأنابيب، ومحطات الضخ، والخزانات، والموانئ، بما يعني استثمارات رأسمالية بمليارات الدولارات. وإذا افترضنا أن دولة العبور تتحمل كل التمويل والتنفيذ مع استهداف عائد استثماري يقارب 10%، فإن التكلفة الإضافية على النفط الكويتي قد تصل إلى نحو 3.5 دولارات للبرميل، في الظروف الاعتيادية، بخلاف تكاليف الناقلة في الطرف الآخر (معدل نقل البرميل في الأزمة 15 دولارا). تتطلب المقارنة بين تصدير النفط عبر خطوط الأنابيب أو الناقلات البحرية النظر إلى الكلفة والمخاطر والاستدامة بوصفها عناصر متكاملة، لا بدائل منفصلة. فمن الناحية النظرية، توفر خطوط الأنابيب مستوى أعلى من استمرارية التدفق، إلا أن المشروعات العابرة للحدود تواجه ما يمكن وصفه بـ «النقاط العمياء»، وفي مقدمتها تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف حماية الأصول، وتعقيد الترتيبات القانونية بين الدول. كما أن هذه المشروعات تعتمد على استثمارات رأسمالية ضخمة، ولا تحقق جدواها الاقتصادية إلا بوجود عقود طويلة الأجل تتضمن التزام «اشحن أو ادفع» (Ship or Pay)، بما يضمن تدفقات مالية مستقرة بغض النظر عن تقلبات السوق. وفي المقابل، يتمتع النقل البحري بمرونة تشغيلية أعلى، إذ يسمح بإعادة توجيه الشحنات وفق تغيرات الطلب والأسعار، كما أن تكلفته الرأسمالية أقل بكثير مقارنة بخطوط الأنابيب. صحيح أن التوترات الإقليمية رفعت أقساط التأمين وأجور النقل عبر مضيق هرمز، سقف البرميل من 3 دولارات إلى 15 دولاراً، إلا أن هذه الزيادات ينبغي مقارنتها مهنياً مع التكلفة السنوية لوسيلتي نقل خطوط الأنابيب إضافة الى الناقلة، وليس النظر إليها بمعزل عن الصورة الكاملة. كلف ضاغطة على الهوامش الربحية، خاصة على براميل الكلف العالية، وهذه لها انعكاساتها الدائمة على الاقتصاد المحلي والعالمي سواء. أضف إلى ذلك قيم مخاطرة تعطل خطوط الأنابيب العابرة للحدود، فخسائرها صعب تحملها. يبقى معيار الترجيح بين بدائل تصدير النفط قائماً على سؤال جوهري: هل يحقق القرار السياسي قيمة اقتصادية مستدامة تعزز أمن الدولة ورفاهها، أم يقتصر على إظهار القدرة السياسية دون مردود عملي يتناسب مع كلفته؟
فالسياسة والاقتصاد في قطاع الطاقة لا يمكن الفصل بينهما، ونجاحها يظل مرهوناً بقدرته على تحقيق التوازن بين الأمن والجدوى الاقتصادية. وفي ظل الأزمات الإقليمية التاريخية والحالية كما برز خلال التوترات الأميركية ــ الإيرانية، يصبح أي تحول استراتيجي خليجي بحاجة إلى توافق سياسي حقيقي، لا نعيشه حالياً، لأن مشروعات البنى التحتية العابرة للحدود لا تنجح إلا بوجود إرادة جماعية واستقرار طويل الأمد. لذلك، ورغم أهمية تطوير بدائل استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة، يبقى النقل البحري في الظروف الطبيعية الخيار الأكثر كفاءة ومرونة وتنافسية، حتى مع إضافة تعرفة دولار واحد للبرميل، بينما تمثل خطوط الأنابيب أداة لإدارة المخاطر الاستثنائية أكثر من كونها بديلاً اقتصادياً دائماً. ومن زاوية جيوــ اقتصادية، فإن خطوط الأنابيب تمثل خياراً منطقياً إذا استطاعت توفير تعرفة تنافسية، وضمان استمرار التشغيل حتى في أوقات الأزمات، إلا أن التجربة الإقليمية تشير إلى أن الحروب والخلافات السياسية كانت السبب الرئيس في تعثر معظم المشاريع العابرة للحدود، وهو ما يضعف جدواها الاقتصادية عند احتساب المخاطر بصورة واقعية. وفي المقابل، فإن اضطراب مضيق هرمز لا يقتصر أثره على الدول المنتجة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق، فإن الكويت، وهي تمضي في تنفيذ مشاريعها الطموحة لتطوير قطاع الطاقة، تبدو أحوج إلى تجنب تحميل هذه المشاريع أعباء إضافية مرتفعة الكلفة، ما لم تثبت الدراسات الاقتصادية أن المنافع الاستراتيجية تفوق بوضوح تكاليفها ومخاطرها، وهو استنتاج تؤيده الخبرة العملية أكثر مما تؤيده الفرضيات النظرية.
خبير واستشاري نفط




