مجتمع

شحّ الأنفس والكلمات.. بقلم المستشار القانوني / سامي الجمل

الكلمة الطيبة أرخص ما يُعطى وأغلى ما يُفيد فهي لا تنقص مالاً ولا تهدم مجداً ولا تكلف صاحبها فلساً من دينار ولو قليل ، ومع ذلك تجدها عند قاسي القلب أثقل من الحديد ، يضن بها ضن البخيل بالدرهم الوحيد ، ويحبسها في صدره حبس الأسير في القيد الشديد .
ولا عجب في ذلك ولا إستغراب لكل لبيب رشيد ، لأن اللسان دلو لا يخرج به إلا ما في البئر ، كما أن القلب معدن واللسان ميزان والميزان لا يزن إلا ما وضع فيه على نحوٍ أكيد ، وليس أدل على ذلك من قول الله تعالى الحميد المجيد :
﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ جزء من الآية ١١٨ من سورة آل عمران .
وتأمل معي دقة اللفظ من لدن حكيم خبير ، فلم يقل سبحانه ( قالوا البغضاء ) وإنما قال ( بَدَتِ ) ، لأنها ما قيلت قصداً وإنما أفلتت من صاحبها رغم التشديد ، فالقلب إذا إمتلأ فاض ، ثم تأمل قوله تعالى ( وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) فالظاهر قطرة والباطن بحر مديد ، فإذا بخل عليك إنسان بحرف لا يكلفه شيئاً ، فلا تحسبه بخل عليك بالحرف وحده ، وإنما كشف لك عن بحر تحته قد لا تراه العين على نحوٍ مبين .
ولا تقف المعجزات عند هذا الحد ، حيث تجئ آية في سورة الأحزاب تجمع طرفي الداء في نفس واحدة على نحوٍ فريد فوصفهم الله تعالى بالشح مرتين لا مرة ، في أولها وفي آخرها ، وبينهما صورة متحركة كأنك تراها رأي العين واليقين :
﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ﴾ جزء من الآية ١٩ من سورة الأحزاب .
فإنظر الى لوحة رسمها العليم القدير ، شح في أولها وشح في آخرها وبينهما جبن شديد ، فإذا جاء الخوف ذابوا وغابوا كمن يغشى عليه من الموت ، فإذا ذهب الخوف وأمنوا عادوا بألسنة حداد تجرح بغير حديد ، وتأمل لفظة ( سَلَقُوكُم ) ففيها معنى الإحراق بالقول كما يسلق اللحم بالماء الحميم ، ثم تم الختم بقوله تعالى ( أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) فتجد العجب العجيب لسان سخي بالأذى شحيح بالمعروف ، ينفق من الشر بغير حساب ولا تحديد ، ويبخل بالخير وهو لا ينقصه من رصيد .
وإذا رتلت الآيتين بجوار بعضهما البعض إتضحت الصورة على نحوٍ مبين ، فآية آل عمران دلتك على المنبع ، وآية الأحزاب دلتك على المصب ، والماء لا يجري في المصب إلا بقدر ما يدفعه المنبع بلا جدال أو تأويل ، فمن رغب إصلاح النهر فليبدأ من عينه لا من مصبه البعيد ، ومن هنا يثور تساؤل مؤداه ، ما السبيل الى إصلاح هذا المنبع العنيد ؟ ، ولا إجابة إلا أن النية الطيبة عمدة الحكم ، وبها الفلاح والتوفيق والخير الوفير ، وليس أدل على ذلك من قوله سبحانه في محكم التنزيل :
﴿ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ جزء من الآية ٧٠ من سورة الأنفال .
بل أكثر من ذلك وفقاً لهذا الترتيب التالي العجيب قد يقصد تعالى أن يوضح لنا أن من عجز عن أهون الخير وأرخصه وهو الكلمة الطيبة ، فهو عما فوقها من الشعائر قد يكون أعجز وأبعد على نحوٍ أكيد :
﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ جزء من الآية ٨٣ من سورة البقرة .
وهذه دعوة للتفكر لا تزيد ، أما العلم فعند ربي العليم الحكيم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى