أمجد جلال يكتب: احترم نفسك!

في لحظة ما من لحظات النجاح، قد يُصاب الإنسان بواحد من أخطر الأمراض التي لا تظهر في التحاليل الطبية، ولا يشعر بها صاحبها بسهولة.. إنه الغرور.
يبدأ الحكاية بإنجاز صغير، ثم يكبر الإنجاز، وتتسع المساحة، ويصفق الناس، وتُفتح الأبواب، فيبدأ الإنسان يصدق أنه مختلف عن الجميع، وأن ما وصل إليه لم يكن إلا بذكائه وحده، ومجهوده وحده، وقدراته التي لا يملكها غيره.
ومع الوقت، يتحول النجاح من نعمة تستوجب الشكر إلى وسيلة للتعالي على الآخرين. ينسى الإنسان أنه كان يومًا ما في بداية الطريق، وأنه احتاج إلى من يساعده، وأن أبوابًا كثيرة فُتحت له بأسباب لم يكن يملكها، وأن الحياة لم تمنحه كل شيء بقدرته وحدها.
وهنا تأتي الكلمة التي قد لا يحب سماعها: احترم نفسك!
يا سيدي، من قال لك إنك صنعت كل شيء وحدك؟ ومن أقنعك أنك تملك مفاتيح الحياة، وأنك قادر على ضمان نجاحك غدًا كما نجحت بالأمس؟
أنت اجتهدت، نعم. تعبت، وسهرت، وخططت، وربما تحملت ما لا يتحمله غيرك. ومن حقك أن تفرح بما حققته، وأن تفخر بعملك، وأن تستمتع بثمرة تعبك. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تعرف قيمة نفسك، وأن تتوهم أنك أصبحت فوق الآخرين.
الثقة بالنفس لا تعني أنك إله، والنجاح لا يمنحك حق الاستعلاء على خلق الله.
انظر حولك. كم من إنسان امتلك المال والسلطة والنفوذ، ثم تغيرت أحواله؟ وكم من شخص ظن أن مكانه مضمون، وأن لا أحد يستطيع الاستغناء عنه، ثم اكتشف أن الحياة لا تتوقف عند أحد؟
الدنيا لا تمنح أحدًا عقدًا أبديًا بالبقاء في القمة. والمنصب مهما طال، له نهاية. والمال مهما كثر، لا يشتري لصاحبه الخلود. والصحة التي يتعامل معها البعض وكأنها أمر مضمون، هي نعمة لا يملك الإنسان ضمان استمرارها.
وليس معنى ذلك أن تتوقف عن الطموح، أو تتنازل عن أحلامك، أو تقلل من قيمة ما حققته. على العكس تمامًا؛ اعمل، ونافس، ونجح، وكن الأفضل فيما تستطيع. لكن لا تجعل نجاحك سببًا في إهانة غيرك، ولا تجعل مكانتك وسيلة لإشعار الناس بأنهم أقل منك.
تذكّر دائمًا أن هناك فرقًا بين إنسان ناجح يعرف قدر نفسه، وإنسان مغرور لا يرى في الدنيا أحدًا يستحق الاحترام.
والأهم من كل ذلك أن تتذكر علاقتك بربك. مهما بلغت من العلم، فهناك ما تجهله. ومهما بلغت من القوة، فقوتك محدودة. ومهما امتلكت من المال، فأنت لا تملك كل شيء، ولا تستطيع أن تضمن لنفسك كل شيء.
أنت مخلوق من خلق الله، تعيش بنعمه، وتتنفس برزقه، وتتحرك بما أقدرك عليه. فما الذي يدعوك إلى الكِبر؟ وما الذي يجعلك تتعامل مع النعمة وكأنها شهادة استحقاق تمنحك حق التعالي على الناس؟
يقول الله تعالى في سورة لقمان: «وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ».
إنها رسالة واضحة لكل من أخذته الدنيا بعيدًا، ولكل من ظن أن ما يملكه يجعله أعلى من غيره: تواضع، ولا تنسَ حقيقتك، ولا تجعل النعمة بابًا للغرور بدلًا من أن تكون سببًا للحمد والشكر.
احترم نفسك.. لا لأنك أقل من غيرك، بل لأنك لست أعلى من غيرك لمجرد أنك تملك أكثر منهم.
احترم نفسك عندما تنجح، حتى لا يتحول نجاحك إلى غرور. واحترم نفسك عندما تتولى منصبًا، حتى لا تظن أن الناس خُلقوا لخدمتك. واحترم نفسك عندما يصفق لك الآخرون، حتى لا تصدق أن التصفيق دليل على أنك لا تخطئ.
فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملكه وحده، بل فيما يفعله بما يملك، وليست في عدد الذين يخشونه، بل في عدد الذين يحترمونه عن اقتناع.
وفي النهاية، تذكّر أنك مهما كبرت في عيون الناس، فأنت لا تزال إنسانًا له حدود، وقدراته ليست مطلقة، وأيامه ليست مضمونة، ومكانته لا تعفيه من مسؤولية أخلاقه.
فلا يغرّنك منصب، ولا يفتنك مال، ولا يخدعك تصفيق.
اعرف قدرك، واشكر ربك، واحترم الناس.. والأهم من كل ده: احترم نفسك.




