ظاهرة “الشعراوي البصرية”.. لماذا يرفض الشارع غياب إمام الدعاة؟ بقلم: أمجد جلال

إذا سرت في شوارع العاصمة، أو تجولت بين أزقة القرى والمدن العربية، فلن تحتاج إلى وقت طويل حتى تصادف وجهه. قد تجده على زجاج سيارة أجرة تشق طريقها وسط الزحام، أو على باب محل تجاري قديم، أو معلقًا فوق مكتب داخل شركة حديثة. إنه وجه الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي رغم رحيله عن الدنيا منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، لا يزال حضوره البصري في الشارع منافسًا، بل ومتفوقًا في أحيان كثيرة، على حضور شخصيات دينية حية تملأ المشهد العام بالضجيج.
وهذا الحضور الكثيف والمستمر يفتح الباب أمام سؤال سوسيولوجي وثقافي مهم: لماذا تحول الشيخ الشعراوي، دون غيره من علماء الدين، إلى «أيقونة بصرية» تتجاوز الأجيال وتحتفظ بمكانتها داخل الفضاء العام؟
التلفزيون صنع الأيقونة
يصعب فهم ظاهرة الشعراوي البصرية بعيدًا عن السياق التاريخي الذي ظهر فيه، فقد عاصر الشيخ العصر الذهبي للتلفزيون الرسمي، ودخل بيوت ملايين المصريين والعرب باعتباره ضيفًا دائمًا، خصوصًا يوم الجمعة وقبل أذان المغرب خلال شهر رمضان.
لكن الشعراوي لم يكن مجرد واعظ يقدم خطابًا دينيًا تقليديًا أو يلقي كلمات مباشرة، وإنما امتلك حضورًا تلفزيونيًا استثنائيًا جمع بين الفصاحة والبلاغة من ناحية، ولغة الجسد والتعبيرات العفوية من ناحية أخرى. وكانت حركات يديه وملامح وجهه في كثير من الأحيان تحمل المعنى وتشرحه قبل أن تنطق به كلماته.
ومع مرور السنوات، ترسخت هذه الكاريزما التلفزيونية في ذاكرة الملايين، ولم تعد صورة الشعراوي مرتبطة فقط بما ظهر على شاشة التلفزيون، بل تحولت إلى صور فوتوغرافية ومطبوعات حرص الناس على الاحتفاظ بها واقتنائها، باعتبارها تعبيرًا عن المحبة والارتباط الروحي بالرجل.
الشعراوي مفسرًا لا مفتيًا
ويبدو أن طبيعة الدور الذي اختاره الشعراوي لنفسه كانت أحد أسرار قبوله الشعبي الواسع. فالشارع العربي يمتلك، بحسب هذا الطرح، قدرة فطرية على اختيار الرموز التي يشعر بأنها تمثله وتمنحه قدرًا من الطمأنينة.
وبحكم طبيعة عمل المفتي، قد ترتبط الفتاوى والأحكام التي يصدرها بتفاصيل الحياة اليومية أو القضايا السياسية، وهو ما قد يضع صاحبها في دائرة الجدل أو الاختلاف والانقسام.
أما الشعراوي، فقد ارتبط بصورة أكبر بـ«خواطر القرآن»، وهي مساحة روحية جامعة تتيح للمتلقي الشعور بالسكينة والبركة بعيدًا عن الدخول في تفاصيل الخلافات الفقهية وتشعباتها.
ومن هنا، يمكن فهم حضور صورته لدى أصحاب المحال التجارية أو سائقي الحافلات باعتبارها رمزًا لما يمكن وصفه بـ«التدين الفطري البسيط»، واستدعاءً لمرحلة ترتبط في الذاكرة بالطمأنينة والأصالة. كما يرى البعض في الاحتفاظ بصورته نوعًا من التبرك أو استدعاءً لمعاني الرزق والبركة.
حين تجاوز الشعراوي حاجز الصوت
الفضاء العام لا يخلو من الأصوات الدينية المحببة إلى الناس؛ فالشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ مصطفى إسماعيل يمكن سماعهما في أماكن كثيرة خلال ساعات الصباح، كما لا تزال خطب الشيخ كشك حاضرة بصوتها القوي وتأثيرها المعروف.
لكن الفارق اللافت أن هؤلاء العلماء والقراء تحولوا بصورة أساسية إلى «أيقونات صوتية»، بينما استطاع الشعراوي أن يجمع بين الحضور البصري والصوتي في آن واحد.
وهنا تكمن خصوصية تجربته؛ فقد نجح في تجاوز حاجز الزمن، والوصول إلى أجيال لم تعاصره ولم تشهد البث الحي لخواطره، لكنها تعرفه من خلال صورة أصبحت جزءًا ثابتًا من المشهد البصري في الشارع.
صورة الشعراوي.. استفتاء شعبي صامت
في النهاية، فإن انتشار صور الشيخ الشعراوي على السيارات والمحال والمكاتب لا يبدو مجرد ظاهرة مرتبطة بملصقات عابرة، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره استفتاءً شعبيًا صامتًا ومستمرًا على مكانة الرجل في الذاكرة العامة.
إنها صورة بصرية لحنين الشارع إلى رمز ديني استطاع الجمع بين العلم والتبسيط، وبين الهيبة والقرب من الناس. كما تكشف عن قدرة الرموز التي ارتبطت بعاطفة حقيقية على البقاء والتوارث عبر الأجيال، بعيدًا عن أدوات الشهرة الحديثة وخوارزميات الإنترنت التي أصبحت تصنع حضور الشخصيات المعاصرة.
ففي حالة الشعراوي، لم تصنع الخوارزميات هذه المكانة، وإنما صنعها حب متوارث أبقى وجهه حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، حتى بعد مرور ما يقرب من ثلاثة عقود على رحيله.
