مقالات
أخر الأخبار

صبحي شبانة يكتب : اتحاد المصريين بالخارج.. ١٦ عاما من الازمات

هناك مؤسسات تنشأ لتؤدي دورًا وظيفيا أو اجتماعيا محدودًا، وهناك مؤسسات أخرى تنشأ لتكون جزءًا من مشروع الدولة وأحد أدواتها الناعمة في الداخل والخارج، والاتحاد العام للمصريين في الخارج ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فهو لم يؤسس ليكون مجرد جمعية أهلية أو إطار تنظيمي تقليدي، وإنما ليكون الجسر الذي يربط ملايين المصريين المنتشرين في أنحاء العالم بوطنهم الأم، ويحول طاقاتهم وخبراتهم وعلاقاتهم الدولية إلى قوة مضافة للدولة المصرية.

فعندما صدر القرار الجمهوري رقم 111 لسنة 1983 بإنشاء الاتحاد العام للمصريين في الخارج، كانت الدولة المصرية تدرك مبكرًا أهمية الجاليات المصرية في الخارج، ليس فقط باعتبارها امتدادًا بشريًا للوطن، وإنما باعتبارها رصيدًا استراتيجيًا قادرًا على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز صورة مصر في الخارج والمساهمة في مواجهة الحملات المعادية التي تستهدف الدولة ومؤسساتها.

وبعد أكثر من أربعة عقود على التأسيس، يبدو أن هذا الكيان العريق يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، في ظل احتكار رئيسه الحالي لأكثر من ستة عشر عاما لم ينجح خلالها في تقديم شيئا للاتحاد او للجاليات المصرية في الخارج غير تفتيت الجاليات، وزرع الفتن بينهم، وبيع أراضي وممتلكات الاتحاد العام للمصريين بالخارج بطرق مثيرة للجدل والشكوك، وتصاعد الخلافات الداخلية، وظهور مستندات واعتراضات ودعوى قضائية تطالب بوقف الانتخابات المقبلة، فضلًا عن مطالبات متزايدة بإعادة هيكلة الاتحاد ومراجعة لوائحه وآليات إدارته.

فبعد ان كان الاتحاد يترؤسه على التوالي مجموعة من وزراء الهجرة السابقون  على الترتيب:  البرت برسوم سلامة، عدلي عبد الشهيد، وليم نجيب،  فؤاد إسكندر، ثم وزير الدولة للخارجية الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق الدكتور / بطرس بطرس غالي، ووزير الصناعة الأسبق الدكتور إبراهيم فوزي، وامين عام مجلس الوزراء الأسبق  محمد خليل النمر، والسفير الأسبق  بالأمم المتحدة الدكتور فاروق الدسوقي ، الى أن آل الامر الى السيد /إسماعيل احمد علي الذي يديره وكأنه عزبة خاصة يتحكم في أصولها وشخوصها، يعين من يشاء ويقصي من يشاء، ويتصرف في أصول الاتحاد كيفما شاء  بطرق تثير الجدل والتساؤلات  في غياب تام للشفافية وآليات الحوكمة الرشيدة، فالاتحاد كما يشاع  كان يمتلك في  ثمانينيات القرن الماضي شركة للمصريين بالخارج  بلغ راسمالها 100 مليون دولار،  يتساءل المصريون بالخارج كيف تم التصرف في هذه الأصول وماهي القواعد التي تم اعتمادها وماهي الإجراءات التي تم اتخاذها، كما يتساءلون عن إجراءات  ومعايير الحوكمة الرشيدة  والتقييم الموضوعي من هيئة حكومية مستقلة ومعتبرة الذي رافق بيع الأراضي التي كان يمتلكها  الاتحاد في جمعية عرابي عام 2023.

اليوم نضع أمام الرأي العام مجموعة من الوقائع والمستندات والتساؤلات التي باتت تتردد بقوة داخل أوساط المصريين بالخارج، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات المقرر إجراؤها في الثامن عشر من يوليو الجاري.

نحن لا نصدر أحكامًا مسبقة، لكن نضع أمام الرأي العام  والجهات المعنية ومن يهمهم الامر مجموعة من الوقائع والمستندات والتساؤلات التي باتت تتردد بقوة داخل أوساط المصريين بالخارج، بالتزامن مع إصرار رئيس مجلس الإدارة الحالي على خوض الانتخابات المقرر إجراؤها غدا للمرة الخامسة على التوالي في ظل لائحة منظورة امام الجهات القضائية وجمعية عمومية وهمية عدد افرادها لا يتجاوز الخمسين فردا هم نفس الأشخاص الذين يمثلون الجمعية العمومية في كل انتخابات سابقة لاختيار مجلس إدارة يتشكل من 15 عضوا  يفترض انها تمثل 15 مليون مصري يعملون في مختلف دول العالم.

ليست الأزمة التي يمر بها الاتحاد العام للمصريين في الخارج ناتجة عن نقص في الموارد أو ضعف في الإمكانات أو غياب الفرص بل في انعدام الثقة، فالاتحاد يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون أحد أهم أدوات التواصل بين الدولة المصرية والملايين من أبنائها المنتشرين حول العالم، كما يمتلك قاعدة بشرية واقتصادية هائلة كان يمكن أن تتحول إلى قوة داعمة للتنمية والاستثمار وتعزيز الحضور المصري دوليًا.

أن المشكلة الحقيقية تكمن في نمط الإدارة الذي ساد لسنوات طويلة، والذي أدى إلى تراجع دور الاتحاد وانحسار تأثيره بين قطاعات واسعة من المصريين بالخارج، فرئيس الاتحاد الحالي يتولى قيادة الكيان منذ ما يقرب من ستة عشر عامًا، وستة وعشرون عاما أخرى قضاها داخل أروقة الاتحاد  امينا عام وعضوا لمجلس الإدارة، دون أن ينعكس ذلك في صورة توسع ملموس في قاعدة المشاركة أو تطوير جوهري في آليات العمل أو استعادة الاتحاد لمكانته بوصفه المظلة الجامعة للمصريين بالخارج.

منذ سنوات يطرح المصريون في الخارج تساؤلات متكررة حول طبيعة العملية الانتخابية داخل الاتحاد ومدى قدرتها على تحقيق التمثيل الحقيقي والشفافية المطلوبة، في ظل شكاوى واعتراضات تكررت على مدار سنوات من عدد كبير من الأعضاء وأبناء الجاليات المصرية في الخارج، وفي السياق ذاته، يوجهون انتقادات إلى الدور الرقابي والإشرافي للجهات المعنية، معتبرين أن الشكاوى والاعتراضات التي طُرحت خلال السنوات الماضية لم تحظ بالمعالجة الكافية التي من شأنها تعزيز الثقة في الإجراءات المتبعة وضمان أعلى درجات الشفافية والحوكمة.

كما تتردد داخل بعض الأوساط المرتبطة بالاتحاد أحاديث ومزاعم حول وجود دعم أو علاقات مؤثرة تساعد على استمرار الأوضاع المتردية القائمة في الاتحاد الذي انشئ لتمثيل أكثر من خمسة عشر مليون مصري حول العالم، فالمؤسسات الوطنية تُقاس بقدرتها على التجدد واستيعاب الكفاءات وتوسيع دوائر المشاركة، لا بطول بقاء القيادات في مواقعها،  ومن ثم فإن الدعوات المتزايدة إلى المراجعة والإصلاح وإعادة هيكلة آليات العمل داخل الاتحاد تعكس، في جوهرها، رغبة في استعادة الدور الذي أُنشئ الاتحاد من أجله، وتحويله إلى مؤسسة أكثر قدرة على تمثيل المصريين بالخارج والتعبير عن مصالحهم وتطلعاتهم، وهنا تكمن مأساة الاتحاد العام للمصريين في الخارج.

فهذا الكيان لم يُنشأ ليكون ناديًا مغلقًا أو حكرا على مجموعة تتبادل المناصب والألقاب تجاوزت أعمارهم الثمانين عاما، وليست لديهم القدرة على التعاطي والتفاعل والتواصل مع أجيال المصريين بالخارج،  ولم تؤسسه الدولة المصرية قبل أكثر من أربعين عامًا حتى يتحول إلى مؤسسة تدور حول نفسها بينما يتغير العالم من حولها،  لقد أُنشئ الاتحاد ليكون الجسر بين مصر والملايين من  أبنائها في الخارج، وليتحول إلى منصة وطنية قادرة على توظيف خبراتهم وعلاقاتهم وإمكاناتهم لخدمة الدولة المصرية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بكل وضوح: أين هذا الدور؟، أين الاتحاد من خمسة عشر مليون مصري ينتشرون في أكثر من مائة دولة؟، وأين حضوره بين الأجيال الجديدة من المصريين في الخارج؟، وأين دوره في تحويل هذه القوة البشرية الهائلة إلى قوة اقتصادية واستثمارية وعلمية وسياسية داعمة لمصر؟.

الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من المصريين بالخارج لا يعرفون شيئًا عن الاتحاد، وكثيرين ممن يعرفونه لا يشعرون بأنه يمثلهم، بينما اختار آخرون الانسحاب الكامل من المشهد بعد سنوات من الإحباط وفقدان الثقة، وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة لا ينبغي  تجاهلها، فالمصريون في الخارج لم يعودوا مجرد عمالة مهاجرة كما كان الحال قبل عقود،  نحن نتحدث اليوم عن رجال أعمال يقودون شركات عالمية، وعلماء يعملون في أكبر الجامعات ومراكز الأبحاث، وخبراء في التكنولوجيا والاقتصاد والطب والهندسة والذكاء الاصطناعي، وشباب ولدوا ونشأوا في مجتمعات مختلفة ويحملون رؤى وأدوات جديدة للتأثير والعمل.

هذه الثروة البشرية الهائلة كان ينبغي أن تكون في قلب مشروع وطني متكامل، لا أن تبقى خارج دائرة الفعل والتأثير، والأكثر أهمية أن المصريين بالخارج أثبتوا عمليًا أنهم أكثر إخلاصًا لوطنهم من كثير من القيادات التي تدّعي تمثيلهم، ففي الوقت الذي تتعثر فيه اقتصادات كثيرة حول العالم، واصل المصريون بالخارج دعم وطنهم، حتى تجاوزت تحويلاتهم أكثر من 41 مليار دولار خلال عام واحد، في مشهد يؤكد حجم الثقة والانتماء والمسؤولية الوطنية.

لكن السؤال الذي لا بد من طرحه بصراحة: ماذا قدم الاتحاد العام للمصريين بالخارج في المقابل؟، هل نجح في مضاعفة هذه القوة الاقتصادية؟، هل أسس منصات استثمارية حقيقية؟، هل خلق شبكات أعمال دولية تخدم الاقتصاد المصري؟، هل استطاع بناء قواعد بيانات للكفاءات المصرية حول العالم؟، هل أصبح بيت خبرة للدولة في ملفات الهجرة والجاليات؟، إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة لا تكمن في المصريين بالخارج، بل في  عجز إدارة الاتحاد التي  يفترض أنها تمثلهم، المشكلة ليست في غياب الإمكانات، بل في غياب الرؤية، وليست في نقص الكفاءات، بل في عدم الاستفادة منها، وليست في ضعف الفرص، بل في عدم القدرة على استثمارها، إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة هو أن تنفصل عن جمهورها الحقيقي، وأن تتحول من أداة لتحقيق أهدافها إلى غاية في حد ذاتها.

وحين يصبح التشبث بمنصب رئاسة مجلس الإدارة  هو الغاية رغم حالة الرفض العام  وأهم من تحقيق الأهداف التي أُنشئ الاتحاد من أجلها، ولهذا فإن القضية اليوم ليست قضية انتخابات، وليست قضية أشخاص، وليست معركة على مقاعد أو مناصب، القضية أكبر من ذلك بكثير، القضية هي  وقف هذا العبث الإداري والقانوني والتلاعب باللوائح الذي يحدث داخل أروقة الاتحاد الذي يفترض انه يمثل جموع المصريين بالخارج تحت سمع وبصر وزارة التضامن،  وعما إذا كان الاتحاد العام للمصريين في الخارج ما زال قادرًا على أداء وظيفته التاريخية، أم أنه أصبح بحاجة إلى مراجعة جذرية تعيد تعريف دوره وأهدافه وآليات عمله.

إن المؤسسات الوطنية لا تُقاس بعدد السنوات التي بقيت فيها القيادات في مواقعها، بل بقدرتها على إنتاج أفكار جديدة واستيعاب أجيال جديدة وتحقيق نتائج جديدة، أما الجمود الطويل فلا يصنع الاستقرار، بل يصنع التآكل البطيء الذي لا يلاحظه أحد إلا بعد فوات الأوان، ولهذا فإن ما يحتاجه الاتحاد اليوم ليس مجرد انتخابات جديدة، بل رؤية جديدة، قيادة جديدة، فكر جديد، دماء جديدة، وليس مجرد تغيير في اللوائح، بل تغيير في طريقة التفكير، وليس مجرد إدارة للأزمة، بل إعادة بناء للدور كله، فخمسة عشر مليون مصري بالخارج ليسوا رقمًا في الإحصاءات، بل قوة استراتيجية هائلة يمكن أن تصبح أحد أهم محركات الاقتصاد المصري وأدوات التأثير المصري عالميًا.

لكن ذلك لن يتحقق في اتحاد يديره شخص واحد وفق اهواؤه، إنه يتحقق فقط عندما تصبح الكفاءة معيارًا، والتجديد ثقافة، والمحاسبة قاعدة، والتمثيل الحقيقي هدفًا، وعندها فقط يمكن للاتحاد أن يستعيد مكانته، أما إذا استمرت الأمور كما هي، فإن السؤال لن يكون: من يدير الاتحاد؟، بل سيكون سؤالًا أكثر قسوة: من يحمي هذا الرجل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى