اخبار عاجلهمقالاتمقالات كتاب الموقع

الخبير المصرفي خالد عمران يكتب| حين يصبح المواطن شريكاً في صنع الغد

في عام 2014، أثبتت مصر أن المواطن العادي قادر على تمويل مشروع قومي عملاق من جيبه. فحين أطلقت الدولة مشروع توسعة قناة السويس، طرحت شهادات استثمار بفئات صغيرة بدأت من 10 جنيهات فقط، بعائد بلغ 12% سنوياً، وحصرتها للمصريين أشخاصاً طبيعيين دون دخول البنوك. والنتيجة كانت مذهلة بكل المقاييس: خلال 8 أيام فقط، استطاعت البنوك الأربعة المصدرة جمع 64 مليار جنيه من مدخرات المصريين، أي ما يعادل وقتها قرابة 8.9 مليار دولار أمريكي ، والأهم أن عدد المكتتبين في الشهادات بلغ نحو 1.1 مليون عميل، بينما جذبت الشهادات قرابة 27 مليار جنيه من خارج القطاع المصرفي بالكامل، أي أموالاً كانت خارج النظام المالي الرسمي أصلاً ودخلت إليه لأول مرة. بل إن 350 ألف مواطن تعاملوا مع البنوك لأول مرة في حياتهم بسبب هذا الطرح. هذه ليست مجرد إحصائية تاريخية، بل دليل دامغ على حجم السيولة الكامنة لدى المواطن المصري العادي، في انتظار فكرة تستحق الثقة.
السؤال: لماذا توقفنا عند هذا النموذج؟ ملايين المصريين من الطبقة المتوسطة، ممن لديهم مدخرات ، تتسرب – جنيه بعد جنيه – الي عقار غالبا ما سيظل فارغا ، أو ذهب صامت في الخزائن لا يحقق عائد بل تكلفة الحفاظ عليه والزكاة عند استحقاقها ، أو مضاربة في عملات رقمية غير مرخصة، أو وعود “مستريح” تتبخر كما يختفي السراب ، وفي كل هذه الحالات، الجنيه المصري يخرج من دورة الإنتاج ولا يعود إليها.
في المقابل، الدولة تمتلك أراضي واسعة وفرصاً استثمارية حقيقية، لكنها تحتاج إلى تمويل ضخم وخبرة تشغيلية عالمية لا تتوفر دائماً محلياً. والمستثمر العالمي الكبير يمتلك التكنولوجيا والعلامة التجارية والأسواق، لكنه يتردد في المخاطرة الكاملة بمفرده في اقتصاد ناشئ.

والحل: أن يلتقي الثلاثة في عقد واحد ، في شراكة ثلاثية الأطراف
الطرف الأول: الدولة، وتقدّم الأرض والحوافز ، الدولة لا تحتاج أن تموّل المشروع من خزينتها، بل تقدّم ما تملكه أصلاً: الأرض بنظام تقسيط طويل الأجل بدلاً من البيع الفوري الذي يستنزف سيولة المستثمر، مع حزمة إعفاءات ضريبية وجمركية لمدة عشر سنوات تجعل المشروع جاذباً اقتصادياً. هذه الحوافز لا تكلّف الدولة نقداً مباشراً من الخزينة، لكنها تخلق بيئة استثمارية جذابة.
الطرف الثاني: المشغّل العالمي، وهو صاحب المعرفة ، هنا يكمن جوهر الفكرة: بدلاً من أن تبني الدولة مصنعاً أو مشروعاً من الصفر بخبرة محلية محدودة، تتعاقد مع شركة عالمية رائدة في مجالها لتكون “المشغّل” الفني والإداري للمشروع، فتستورد مصر الخبرة والمعيار العالمي، لا المنتج الجاهز فقط. تخيّل على سبيل المثال مشروعاً للتصنيع بالتعاقد مع شركة عالمية كبرى لإقامة خط إنتاج تصديري كامل، يمنح المشروع فوراً معايير جودة وقنوات تصدير عالمية. أو مدينة ترفيهية متكاملة بالشراكة مثل” ديزني” ، تستقطب السياحة العائلية الدولية بثقة العلامة التجارية العالمية. أو مدينة إنتاج سينمائي بالتعاقد مع شركة مثل “يونيفرسال ستوديوز” ، تجعل مصر مركزاً عالميا للإنتاج الفني ، أو مركز تطوير برمجيات بالشراكة مع شركة عالمية ، ينقل المعرفة التقنية لجيل كامل من المبرمجين المصريين. وفي كل هذه النماذج، لا يدخل السوق المصري مستثمر تقليدي ، بل شريك تشغيلي طويل الأجل يضمن جودة الإدارة ونفاذ المنتج للأسواق العالمية.
الطرف الثالث: المدخر المصري، وهنا تكتمل الحلقة ، ليس فقط بصيغة نموذج قناة السويس 2014 ، بل بتطويرها ، ليطرح للمدخر المصري مزيج من الأسهم يملك بها حصة فعلية في المشروع منذ اليوم الأول، وسندات دين تمنحه عائداً ثابتاً ومضموناً في البداية، مع خيار تحويلها الي اسهم ملكية لاحقا عند نجاح المشروع.

لماذا تنجح هذه الصيغة تحديداً؟ كل طرف في هذه الشراكة يحمل مخاطرة أقل مما لو عمل بمفرده. فالدولة لا تُجازف برأس مال نقدي ضخم، بل تستثمر أصلاً تملكه بالفعل وهو الأرض ، والمستثمر العالمي يدخل سوقاً جديدة بحوافز ضريبية وأرض مدعومة، فتنخفض كلفة دخوله ومخاطره الأولية. والمواطن المصري يضع مدخراته في مشروع له شريك تشغيلي عالمي موثوق يضمن جودة المنتج والإدارة والتسويق.
والأهم: عندما ينجح المشروع، فإن الأرباح لا تذهب للخارج كما يحدث غالباً في الاستثمار الأجنبي المباشر التقليدي، لأنه سيظل موزعاً بين آلاف بل ملايين المصريين الذين قاموا بتمويله منذ يومه الأول.
الأمة التي مولت قناة السويس بمدخراتها، قادرة أن تموّل مصانعها ومدنها وأحلامها القادمة، إن نحن فقط أحسنّا دعوتها ، كشريك في صنع الغد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى