مقالاتمقالات كتاب الموقع

مصر ممر للعالم — كيف نحول الفوضى التجارية إلى فرصة؟.. بقلم: الخبير المصرفي خالد عمران

حين يتشاجر العمالقة، تجد الأذكياء يلتقطون ما يتساقط بينهم. العالم اليوم يعيش حالة من الفوضى التجارية لم يشهد مثيلها منذ عقود؛ حرب رسوم جمركية بين أمريكا والصين، حروب وتوترات في الشرق الأوسط أثرت على طرق الشحن، وشركات كبرى تبحث بشكل محموم عن بدائل لسلاسل توريدها التقليدية. يبدو المشهد كئيباً للوهلة الأولى، لكن لمصر في هذا المشهد دور مختلف تماما ، دور المستفيد الهادئ من الفوضى.

لماذا مصر تحديداً؟ الإجابة ببساطة : الجغرافيا ، مصر في موقع مميز وتملك ساحلين في آن واحد – البحر المتوسط والبحر الأحمر مع قناة السويس تشق ما بينهما – هذا يعني أن كل سفينة تريد الانتقال بين أوروبا وآسيا أو إفريقيا والخليج، تمر بقرب مصر أو من خلالها. في عام 2025 وحده، عبرت قناة السويس 12,758 سفينة بحمولة إجمالية بلغت 522 مليون طن، مما يجعل هذا الممر أحد أكثر الطرق البحرية حيوية في الاقتصاد العالمي. هذه ليست أرقاماً فحسب ، بل هي أموال تمر من خلالنا.

الظروف الحالية دفعت الشركات الكبرى إلى إعادة رسم خرائط التوريد بالكامل. شركات أمريكية واوربية كانت تشتري مباشرة من الصين باتت تبحث عن وسيط ، تبحث عن دولة تجمع فيها البضائع أو تصنعها جزئيا ثم تصدرها. في تقريره الأخير لأبريل 2026، رصد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) ظهور ما سمّاه “اقتصادات الربط”، وهي دول تعمل كوسيط لوجستي ومحطة تجميع في خضم التفتت الجيوسياسي، وأدرجت مصر صراحة ضمن هذه الدول إلى جانب فيتنام وإندونيسيا وكمبوديا.

حين تنقطع الطرق القديمة ، الأذكياء يفتحون طرقا جديدة. ومصر أصبحت إحدى هذه الطرق. وفعلا في اجتماع رفيع المستوى عقده رئيس الوزراء د. مصطفي مدبولي في الأول من يونيو 2026، جرى استعراض مقترحات لإنشاء مركز توزيع لوجستي عالمي داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع إشارة إلى أن شركات دولية عدة تقدمت بالفعل بعروض لتنفيذ المشروع. بل اكثر من ذلك ، تقدمت مصر بشراكة مع الصين لإنشاء مدينة تجارية لوجستية بتكلفة ملياري دولار داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مستوحاة من نموذج مدينة يوو الصينية الشهيرة، تمتد على مساحة ثلاثة ملايين متر مربع، وتضم مراكز عرض وتخزين وتوزيع، بما يُحوّل مصر من اقتصاد عبور إلى مركز إقليمي لإدارة سلاسل التوريد.

لكن هل الطريق مفروش بالورود؟ لا بالطبع. موقع مصر الجغرافي هو سلاح ذو حدين ، فالموقع المميز يجعلها مكشوفة على مخاطر كثيرة أهمها الصراع في الشرق الأوسط والتوترات الإقليمية وتراجع حركة الملاحة في قناة السويس ، فالرهان الحقيقي ليس على الموقع وحده، بل على البنية التحتية والكفاءة والتشريعات المحفزة للاستثمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى