
مأزقُ الفلسفة يبدأ حين تتحول إلى قوة سياسية؛ لأن السلطة لا تستبقي من الفلسفة اتساع السؤال، بل تنتقي منها ما يبرر شرعيتها، فتُحوِّل الفكر من أداة لنقد الواقع إلى وسيلة لتبريره وإخضاعه…
وتفقد الفلسفة روحها حين تدّعي الاكتمال وتغلق باب المراجعة؛ فالفلسفة تهدم نفسها بمنطقها إذا زعمت امتلاك الحقيقة، لأنها لا تقوم على العصمة، بل على السؤال، والنقد، وقابلية تصحيح الخطأ.. وما يتوقف عن مراجعة نفسه لا يتطور، وما لا يتطور يتحول من فكر حيّ إلى مذهب جامد يحرس أجوبته ويخشى الأسئلة…
أما الفكرة، فتنحرف حين تُحصّن ضد النقد، وتُلبِس الأهواء ثوب الحقيقة، فتنتقل من فرضية قابلة للفحص إلى يقين مغلق، ومن وسيلة لفهم العالم إلى معيار للمحاكمة…
وليست المشكلة في العقائد من حيث هي عقائد؛ فلكل إنسان أن يؤمن بما يراه حقّا. وإنما تبدأ الأزمة حين يُدّعى احتكار الحقيقة، ويُمنع السؤال، وتُقدّم المراجعة بوصفها خيانة، وقد وقع في ذلك المتكلمين من أهل البدع والأهواء، كما وقع فيه غيرهم من الفلاسفة وأصحاب المذاهب والأيديولوجيات؛ فالمشكلة ليست في الانتماء، بل في تحصين الفكرة ضد النقد…
وبهذا تهزم الفلسفة نفسها حين تنقض شرطها المنهجي؛ إذ تفقد صفتها الفلسفية في اللحظة التي تدّعي فيها امتلاك الحقيقة النهائية، وتغلق باب السؤال.. فليست خطورة الأفكار في قوتها، بل في استعصائها على المراجعة، وتوقفها عن قبول احتمال الخطأ



