عمر فوزي يكتب: خلوة مش حلوة

منذ الصغر كنت قد اعتدت دائماً على محاولة الاختلاء بالنفس بين الحين والآخر، وعندما كنت صغيراً كانت أفكاري وهمومي قليلة ولكني كنت أشعر براحة نفسية جعلتني أداوم على هذه العادة التي أصبحت ناموسا من نواميس حياتي، وأعتقد أن السبب الرئيس فيها كان شغفي بالقراءة، فعندما تقرأ كتابا أو رواية أو مجلة تدخل في عزلة جميلة وتعيش مع أحداث الحكايات وأبطالها، وأتذكر أنني كنت أخرج وحيداً على شاطئ النيل قرب منزلي بمدينة الجيزة، وكانت المساحات الخضراء وقتها كبيرة وكثيرة جدا حتى أن ميدان الجيزة الذي يعج الآن بالزحام لكونه أصبح موقفا عاما للباصات والسيارات وبالطبع كثرت به المحال التجارية، كان آنذاك متنزها نخرج فيه ليلا ونجد الباعة المتجولين وأماكن الجلوس التي تتيح لك الانفراد بنفسك، وكان يحيط به مطاعم ومحال راقية جدا .وكنت في كثير من الأحيان أذهب لسطح المنزل وخاصة وقت الغروب والليل حيث الهدوء، وأتذكر أن والدي كان أحيانا كثيرة يستاء من هذه العادة وعندما يكون غاضبا كان ينهرني ويتعجب لقولي الجملة التي اشتهرت بها كنت جالسا مع نفسي، ووالدي الرجل المكافح لم يعتد على ذلك وكان يسألني بنبرة سخرية ما مشكلاتك في الحياة ؟، ما الشيء الذي يتطلب منك هذا الاختلاء؟ وكان شفيعي الوحيد في ذلك أنني اعتدت على القراءة وكتابة خواطر وأشعار ويوميات، وكنت دوما أقرأ قبل النوم من مجلات الأطفال صغيرا حتى الكتب والروايات كبيرا.وفي فترة الشباب زادت النشاطات والعلاقات وكانت أوقات الخلوة صعبة جدا حيث إن صحبة الأصدقاء والنشاطات والدراسة تأخذ كثيرا من الوقت فلا تجد متنفسا لأي اختلاء، وبالطبع قلت قراءاتي للكتب، ولكنها كانت عادتي التي تريح النفس وتزيل عني الهموم حتى لو لم يكن هناك هموم كنت أحب الاسترخاء والتفكر بأمور الدنيا ورسم الأحلام، وسماع الأغاني.وأتذكر أنه عند صدور شريط كاسيت لمحمد منير أو علي الحجار كنت أختلي بنفسي في سماعه وخاصة الاستماع الأول لأنه كان يحمل الكثير من المتعة النفسية والذهنية حيث إنني كنت أحترم كثيرا الكلام الجيد وكل من يحترم عقلي ووجداني وكانت الأغاني التي تحمل ذلك الفكر هي أولوياتي، كنت أداوم على الذهاب للسينما والمسرح وخاصة مسارح الدولة، أتذكر أنه عند ذهابي للمسرح القومي كان لابد لي أن أعرج على سور الأزبكية لشراء الكتب وكانت أمتع أوقاتي لأنه كان سوقا للكتب القديمة والتراثية وتجد فيه ما لا يخطر على بال،وكنت أعقد جلسات مناقشة مع الأصدقاء خاصة في غرفتي التي أسموها (الصالون الأدبي) حيث كانت تعج بالكتب وشرائط الكاسيت وكنا نتبادلها فيما بيننا، ولكن دوما لا يمنعني ذلك من الخلوة التي تنعش قلبي وفكري، وبعد التخرج والعمل والزواج والسفر وتربية الأولاد كانت الخلوة من المستحيلات التي تجد لها وقتا، وكانت سنوات سفري الأولى قبل الزواج فترة جيدة لهذه الخلوة وكنت أذهب كثيرا إلى شاطئ الخليج للكتابة والقراءة،ومع الوقت زادت المسؤوليات وطحنتني دورة الحياة في العمل ومسؤوليات الزواج وتربية الأولاد، ولكن كان لطبيعة عملي بالمكتبة صباحا متنفس لوجود الوقت الذي أقرأ فيه وأنفس عن هواياتي الشعرية والأدبية، ولا أستطيع أن أصف لكم قدر سعادتي بهذه الخلوات التي كنت دوما أسعى لها.وعندما تغيرت الحال ورجعت أعيش وحيدا بعد سفر الأولاد للتعليم والاستقرار، كانت الفرصة مواتية أكثر وأكبر لكثير من الخلوات، ولكن للأسف تحول الحال وأصبحت أخاف كثيرا منها حيث إنني أحاول جاهدا أن أهرب منها ولكن هيهات، وكلما اختليت بنفسي أصبحت الذكريات تهاجمني والحنين يخنقني والكآبة تقتلني، وزادت الهموم وكبرت المسؤوليات والمشكلات الحياتية التي تمر بها مجتمعاتنا من فقر وبطالة وسوء الأحوال المعيشية، والأدهى زيادة الصراعات والحروب،وبات التفكير في مشاكل أبدية أزلية يقضي على مثل القضية الفلسطينية التي عشنا مرارتها منذ ولادتنا، والصراع العربي الاسرائيلي والهيمنة الاميركية وكفاح الشعوب المناضلة من أجل الحرية والسلام، والخوف من المستقبل والمصير المجهول في ظل زمن مادي تحكمه المصالح والأهواء، زمن قلت فيه المشاعر والأحاسيس بالانسانية.وباتت الخلوة التي كنت أتمتع باختلاسها بلا متعة لأنها فرضت علي فرضا.. وأصبحت الخلوة مش حلوة .
عمر فوزي
Omarfawzi3041966@gmail,com




