المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: حين يقودنا الضوء بلا عقل

الضوء لا يفكّر، ولا يملك عقلًا، ومع ذلك لا يضلّ المسار؛ لأنه محكوم بقوانين دقيقة لا تحيد: ينعكس حيث يجب، وينكسر حيث يلزم، ويسلك المسار الذي يجعل زمن العبور ساكنا بين البدائل الممكنة…
الجرح هو المكان الذي يدخل منه الضوء إلى أعماقك، وهو مفتاح ومسكن القلوب وشارح الصدور، وعلامة بهجة، وسخاء وأريحية…
هو ضيف يحلّ على أعيننا، فنستقبل به العالم: لونا وشكلا ومعنى، وهو جسر بين وعينا والكون، من مرآة صغيرة إلى مجرّة بعيدة…
خصائصه ليست مجرد درس في الفيزياء، بل مفاتيح حضارة: انعكاس، انكسار، تشتت، طيف مرئي، وأطياف لا تراها العين: جاما، السينية، تحت الحمراء، فوق البنفسجية، وطبيعته مزدوجة؛ تارة موجة، وتارة كمّا من الجسيمات…
وعندما يصطدم الضوء بسطح عاكس، لا يرتدّ عشوائيا؛ بل يخضع لقانون صارم: زاوية السقوط تساوي زاوية الانعكاس، كأن الكون يكتب هندسته بلغة لا تخطئ…
أما الظلام، فليس مشهدا تراه العين؛ بل هو غياب الفوتونات التي تحمل الخبر إلى الدماغ، وحين تضعف الإشارة جدا، قد يملأ الدماغ الفراغ بإحساسات بصرية داخلية؛ فيلتبس علينا ما هو خارجنا بما يتشكل داخلنا…
وعند المفترق من كل شىء إن طال الإنتظار ملّ المنتظِر، وتنكّب الضوء وأهدانى إلى العتمة، فأقمت في مزاج اللبس والوضوح، على العتبة، وخفت ضوء المنتَظَر…
أما في النجوم السائرات وغيرها؛ لعيني على ضوء الصباح دليل، وإذا كنت لا ترى غير ما يكشف عنه الضوء ولا تسمع غير ما يعلن عنه الصوت، فأنت في الحق لا تبصر ولا تسمع…
والضوء، فوق كونه وسيلة للرؤية، هو أرشيف الزمن الكوني: قد نرى وهج نجمٍ من ماضٍ سحيق، وقد يصلنا صداه متأخرا بعد أن يرتد من غبار الفضاء، فنشهد الحدث مرتين، مع أن النجم نفسه ربما غاب منذ.





