المفكر حجاج بوخضور يكتب: حين يصير الليل مرآةَ الغريق

يحاورني الليل كأنني بعض عتمته، ويناديني كأنني عاشق سواده، فارّ من صباح يفضح ما لم يبرأ، ويوقظ من الجرح ما حسبه نام…
يراني الغريق الذي لم يجد في اليابسة نجاة، فاتخذ من سواده مرسى، ومن صمته مأوى، ومن ستاره وطنا عابرا لروح أنهكها انسلاخ الليل عن النهار…
كأنه يقضي عني ديون أيام عتيقة تطاردني، ويفكّ حصار حروف الأمس؛ حروف لا تنتظم قصيدة، ولا تنهض عزاء…
ويصوغ كلّ بداية في داخلي بطعم النهاية، حتى يضيق الطريق بخطاي، وتفقد الخريطة عقلها؛ فيستوي الشمال والجنوب، ويصير الاتجاه سؤالا، والجواب سرابا…
بيننا عهد لا يُكتب؛ أبثّه فراقا لا يطيق تمام الكلام، فيرد عليّ بنجوم أنهكها حنين الغياب. وليس حزني ضعفا، بل وعي أضناه فرط الرؤية؛ فبعض النفوس لا تنكر الحقيقة، لكنها تلتمس ظلاما يخفف حدّ السكين…
حينها أدركت أن الليل يأخذني إليه؛ لا لأفنى، بل لأتحرر من ضجيج النهار، وأرى نفسي كما هي، لا كما تُرى.



