مقالاتمقالات كتاب الموقع

رشقة افكار .. الموت لأميركا وإسرائيل .. لماذا يتخضب بدم الكويت وأهلنا في الخليج ؟ بقلم محمود الشربيني

الكويت آخر من يطبع.. تذكروا هذه الجملة بحق الله وبحق المبدأ .. أنتم الذين دأبتم على النسيان .

جملة بمثابة دستور ، ولمن لا يعرف ماذا يعني الدستور في الكويت ، ينظر في دستور بلده أولا فيعرف أنه يُنْتهك متى أُريد له الانتهاك ، ويُمَزق متى يراد له التمزيق ! لكن دستور الكويت -الصغيرة هذه- لايمكن لأحد من حكامها ومسئوليها ومواطنيها العدوان عليه .

الكويت آخر من يطبع، ومع هذا فكأن صدام يعيش بيننا الآن و يعشّش في عقولنا لايبرحها ، فيقسم الأمة مابين الانتصار لإحدى فكرتين ، كانتا وبالا علي العالم العربي عام ١٩٩٠ ، الأولى تأييد التضحية بدولة عربية وهي الكويت ، في مقابل فكرة المواجهة مع الصهيونية والإمبريالية !

ينظر اصحاب العقول من مثقفين وكتاب ونقاد ومفكرين إلى الكويت نظرة دونية ، بعكس نظرتهم إلى لبنان والى مصر وتونس ، مع ان الكويت قدمت ولاتزال تقدم اكبر دعم ثقافي ومادي وانساني لهذه الدول !

هؤلاء وبينهم عشرات ممن أقدرهم واحترمهم تغذى غالبيتهم على مطبوعات العربي وعالم المعرفة ، كما أن صحف الكويت تركت بصمات لاتمحى على العقل العربي – لاسيما فيما يتعلق بالعروبة والوطنية والاحتشاد حول قضية العرب المركزية الوحيدة ( القضية الفلسطينية ).

الكويت آخر من يطبع ، وكان يمكن أن تكون أول من يهرول ، وكان ممكنا ان تتنكر لكل ماهو وطني وعربي ومقاوم بعد أن كادت مواقف اشقائها تمحوها من على الخريطة ، بذريعة دعم صدام في مواجهة أميركا وإسرائيل .


الكويت آخر من يطبع ولم تهرول ، هذا بالتأكيد فعل له ثمن ، ومع هذا لم تعبأ بما ستدفعه .والحقيقة أنها زمن بعيد وهي “تدفع” الكثير . تسمعون وتشاهدون وتقرأون عن الضاحية الجنوبية في لبنان ، وربما حفظتم اسم اشهر حاراتها “حارة حريك” ، و التي دكتها اسرائيل مرات عدة ،هذه مناطق أعادت الكويت اكثر من مرة إعمارها ، وأوفدت ممثلي صناديقها التنموية ، العديد من مسئوليها الكبار ووزرائها المرموقين ، لمتابعة إعمارها بعد تدميرها غير مرة من العدو الصهيوني ، ومازلت اسمع الأهازيج التي اطلقها النسوة البسطاء في الاحتفال بيوم الافتتاح ، ابتهاجا بالانتقال من إلتحاف العراء والنوم على أطلال الحجار والمباني المهدمة إلى بيوت حديثة مضاءة تعمل بالطاقة الشمسية ، وتنعم بالبنية الأساسية ولاتعاني البحث عن كوب ماء ، تسير اليه عشرات الكيلومترات لتحصل عليه.


لاتنزعوا عنكم قلوبكم وضمائركم وأنتم تكتبون ، وبعضكم جالسون مرتاحون تضعون ساقا فوق اخري ، وتشربون الشاي والقهوة والنسكافية بتلذذ شديد ، وتكتبون عن الخونة (الخونة العرب ويهود الخليج و المتعاونين مع الاميركان!) وأوصاف يكذبها الواقع ، ولكن يسوقها الكيل بأكثر من مكيال ، دونما تروي أو نقاش !

يفعلون ذلك بجرأة على المعلومات الصحيحة ، ولا يستثنون هذا البلد العربي الوحيد تقريبا ، الذي كان يعامل فيه الفلسطينيون معاملة أهل البلد ! حتى وقع الغزو العراقي ، ونكث الأشقاء الفلسطينيون بكل عرى الأخوة والصداقة ، فشجعوا صدام على التهام الكويت وإذلال أهلها وتدمير بنيتها وحرق آبار نفطها !فلسطين وشعبها و لبنان وضاحيتها الجنوبية ومصر وتنمية سينائها( والمغرب وسدودها وجسورها وطرقها ، والسودان و سدودها وتونس واليمن ووو) كلها اليوم من معالم هذه البلدان ، تختزن في ذاكرتها وتشهد أراضيها وتحتفظ وجدانات أهلها ببصمات شاهدة بصدق على أن هذه الكويت لاتستحق هذا الاتهام .

الكويت لم تطبع وأنتم تطبعون مع العدو وتزعمون أن سلامكم بارد مع العدو ، متذرعين بأن الشعب لم يطبع ، فماذا عن شعب الكويت ؟ هو أيضا لم يطبع وهواه عروبي منذ زمن بعيد ، وتاريخ الحركة القومية في الكويت في الخمسينات ناصع ، ومايزال يلهم الأجيال . الكويتيون الذين عاشوا في زمن عبد الناصر أيدوه وناصروه وتغنوا به ، وجعلوا مصر قبلتهم ، لكن الأجيال الجديدة كفروا بالعروبة بعد ان شتتهم صدام في المنافي والقفار !

انتم المتهمون بتآكل الذاكرة ، ونسيان المروءة والعروبة . نسيتم أنه يوجد هناك حتى اليوم اكثر من ثمانمائة ألف مصري يعيشون ويعملون هناك ، تربطهم بالكويت وأهلها مودة ورحمة ومصاهرة ، ووجدوا لأنفسهم عملا دائما مستمرا يفتح في مصر آلاف البيوت ، وتعيش من رواتبه ملايين الأسر هنا ، فبنوا بيوتا وعمارات وافتتحوا المشروعات وأفلحوا الارض وتزوجوا وأنجبوا أولادا ، وركبوا سيارات فاخرة و اصطافوا في المصايف الكبري ، وعاشوا حياة ” فاخرة” أو على اقل تقدير ” ملائمة” ..

انظروا لمن انتهى عمله هناك وعاش هنا في مصر ولم يعد لديه دخل كافٍ ، كيف يعيش اليوم ، في ظل تراجع العملة وتعويم الجنيه وارتفاع الأسعار والغلاء الذي يكوي القلوب ويشق الجيوب الخاوية ، لتعرفوا كم هو عمر العروبة والنخوة والإنسانية في الكويت .لتعرفوا كم حجم التضامن والوفاء مع الشعب العربي ، ومع القضية الفلسطينية التى اعتبرها الكويتيون لسنوات طويلة قضية مركزية بالنسبة له !

لتعرفوا كم ساهمت الكويت بايديها البيضاء في تعمير مصر – وذاكرة الإنترنت تحكي لكم عن وقفة الكويت معنا – من بناء محطات الطاقة ، وإعادة احياء صناعة الدواجن التي دمرتها إنفلونزا الطيور ، إلى الدعم الذي قدم من اجل تنمية سيناء .. وحتى عصر مبارك كانت مصر تحصل على قروض ميسرة بفائدة هزيلة ، من اجل هذه المشروعات ، التي لاتقام إلا بعد دراسات جدوى يجريها خبراء مصريون ولبنانيون وعربا على اعلى مستوى من الاحتراف والمهنية . كان هناك سليم الحص من لبنان ، ومحمود أبو العيون ومن قبله جلال أمين من مصر ، وقانونيون محترمون مثل الدكتور طارق البرادعي وغيرهم ممن لايزالون يعملون هناك .

اكثر من نصف مليار دولار كانت تحصل عليها مصر سنويا بفوائد ميسرة وقروض فيها نسبة منح عالية جدا .كيف يمكنكم تجاهل هذا الآن ، فتتهمون بالانبطاح والأمركة من يحزن لأجل أصدقائه وإخوته واهله في الكويت الذين يعانون اشد المعاناة اليوم ، جراء القصف العنيف ، والتهديد المستمر وضرب صواريخ لا تميز بين عسكرى كويتي وعسكري أمريكي !

أقرا لبعض المصريين والمصريات الذين يعيشون تحت النار بوستات متألمة مذعورة خائفة ، بينما بيننا هنا من يسعدهم كل صاروخ يسقط ولو في أرض فضاء داخل دولة العدو الصهيوني ! نعم انه عدو وهو المعتدي ، وحليفه الاميركي يريد ان يسقط العرب كلهم بما فيهم نحن في وحل التبعية ، لكن لماذا يطالب البعض الكويت ودول الخليج بآن يتصدوا لاعتي الاعداء وهم لايمكنهم ذلك ، لأسباب عديدة ، فهذه الدول الصغيرة مساحة وسكانا – وبعضها مثل الكويت تحديدا- كبيرة التصرفات والسلوك الإنساني ؟ انتم سمعتم رئيسكم وأسعدتكم عبارته الشهيرة التي قالها ذات يوم عندما سئل عن موقفه من أي تهديد للأشقاء .. قال : ” مسافة السكة “!

ماذا تعني هذه الجملة ؟ بل ماذا يعني السوال الذي أفضى لهذه الإجابة ؟ يعني أن هناك فارقا بين دولة مثل الكويت ودولة مثل مصر ، هذه الأخيرة خبرت عشرات الحروب وانتصرت وانهزمت واحتلت وجاءها معتدون من كل مكان ، ومستعمرون قاموا بغزوها ، ولكنها قاومتهم ولديها خبرات قتالية وعسكرية ، وهي اكبر دولة عربية سكانا ، وهي بحد ذاتها “جيش” فمنذ زمن بعيد والجيش يتكون من كل اهل مصر .

مصر دولة مقاتلة والكويت دولة مسالمة . لا دخل لها بصراعات وتوسعات إقليمية على الأقل مثل غيرها ، وطبقا لاجتماعات الدول العربية ، ومضابط الجامعة العربية ، فإنها من اكثر الدول العربية التزاما بالمساهمة في دعم القضايا العربية .. وفي حرب اكتوبر كان هناك جنود من الكويت يشاركون في هذه الحرب ، وانا الآن اكتب من الذاكرة ، رغم ان هذا الكلام موثق ومنشور في كتب !

لماذا نخلط الأمور ؟ الكويت آخر المطبعين ، واللبنانيون يتغنون بدعم وتعمير بلدهم بأموال الكويت ، وفي ازمنة سابقة عاش ياسر عرفات في الكويت ، وتأسست فتح في الكويت وعاش مقاتلوها هناك ، وعوملوا معاملة كريمة ، ويذكر التاريخ ان الشيخ سعد العبد الله امير الكويت الراحل هو من انقذ ياسر عرفات في وقت مذبحة أيلول الأسود والخلاف العاصف الذي وقع بين الأردن ومنظمة التحرير !

ليست الكويت وحدها المسالمة ، وانما البحرين أيضا ، والتي لم تناصب احدا العداء ولم تتآمر على شقيقاتها العربيات .. وتقولون ان هذه بلدان احتمت بالأميركان ! فما أسباب ذلك ؟ ألم يكن التهديد الذي وقع عربيا ومن الشقيق العربي ؟ ألم يجلب صدام الاميركيون والتحالف الدولي لتحرير الكويت إلى المنطقة !

إلى متى تدفعنا الرغبة في الانتقام من عدونا ، وآمالنا غير المتحققة في تمزيقه وتحويله إلى أشلاء ، والتخلص منه ، في ازهاق أرواح شعوب عربية مغلوبة على امرها بفعل تحديات كثيرة ، ومع هذا فنحن لانقارن بها! برلمان الكويت الشهير أوسع الحكام والوزراء استجوابات و أسئلة أسقطت حكومات بعض وزرائها من الأمراء والشيوخ ! صحافتها الحرة لم تغلق ولم تضق برأي أو تقصف قلم كاتب ، اللهم إلا في مرات معدودات .

في هذه البلدان احترام شديد للقانون ، القانون العادي الطبيعي ، وقوانين المرور من الصعب التي يصعب انتهاكها وتجاوزها . هناك أمراء في السجن بسبب جرائم قتل . هناك دستور لايمكن انتهاكه .. ولا يخرج احد يطالب بتعديله البقاء في السلطة .

الحروب الدائرة الآن في منطقتنا تضعك في مأزق فكري وإنساني غير طبيعي ! عدونا أميركا واسرائيل ومع هذا فإن إيران التي يفترض انها تحارب عدونا تضعك في قلب العاصفة حينما تضرب وتقتل جنودا ومواطنين في الكويت ودول الخليج ! لا خير فىَّ إذا لم غضب لأجل الكويت، ففي هذا البلد لي اهل وأخوة وأصدقاء وعيش وملح و٤٠ عاما من العمل وكسب الرزق .

حياة كاملة هناك تقطع يقينا بأنني جزء منها ! لا تقل لي انهم سمحوا لاميركا بالقواعد ..فالذي سمح هو صدام حسين وغزوه للكويت . منذ ذلك الوقت والخليج كله يشعر بتهديد كل صدام في المنطقة . يقف غالبية العرب اليوم من الكويت نفس موقف الانقسام أيام الغزو ، فالموت لأميركا واسرائيل محل حفاوة وإن تخضب بدم الكويت والخليج!


يالها من محنة فكرية متجددة .بكل أسف.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى