اخبار عاجلهمقالاتمقالات كتاب الموقع

مروة محرم تكتب: حين تتزوج المصرية أجنبيا تصبح قضية رأي عام.. وحين يفعلها الرجل تصبح «شطارة»!

فجأة، أصبحت زيجات المصريات من رجال صينيين وكوريين مادة للهجوم والسخرية والجدل، وكأن البنت المصرية ارتكبت جريمة لمجرد أنها اختارت شريك حياتها من ثقافة مختلفة، وكأن الجنسية وحدها كافية للحكم على نجاح العلاقة أو فشلها!

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل أن نُصدر أحكامنا: هل نعرف تفاصيل هذه الزيجات؟ هل نعرف كيف يعيش هؤلاء الأزواج؟ هل نعرف إن كانت هذه المرأة سعيدة، أو مستقرة، أو وجدت في شريكها احتراما واحتواء وأمانا لم تجده في تجارب سابقة؟ أم أننا نكتفي بصورة، أو مقطع فيديو، أو اختلاف في الملامح واللغة، ثم نتحول جميعا إلى قضاة؟

ليس كل زواج ناجحا لأن طرفيه مصريان، وليس كل زواج فاشلا لأن أحد طرفيه أجنبي.

هناك مصريات متزوجات من أجانب ويعشن حياة مستقرة وسعيدة، وهناك زيجات أخرى قد تفشل، تمامًا كما يحدث في كل المجتمعات. المعيار الحقيقي ليس لون البشرة، ولا شكل العين، ولا طريقة الكلام، ولا اسم البلد المكتوب في جواز السفر؛ المعيار هو الاحترام، والتفاهم، والمسؤولية، والقدرة على بناء حياة مشتركة.

وإذا كانت بعض هذه النساء قد وجدن الستر والاستقرار في بلد ليس بلدهن، وقررن بناء أسرتهن بعيدا عن وطنهن، فمن نحن حتى نسخر منهن أو نُشكك في اختياراتهن لمجرد أنها لا تشبه اختياراتنا؟

الستر ليس عيبا، والاستقرار ليس تهمة، والبحث عن حياة كريمة ليس خيانة للهوية المصرية. ومن حق كل امرأة أن تبحث عن رجل يصونها ويحترمها ويمنحها شعورا بالأمان، سواء كان مصريا أو صينيا أو كوريا أو من أي جنسية أخرى.

لكن دعونا ننتقل إلى السؤال الأكثر إحراجا: لماذا تختلف المعايير حين يكون صاحب الاختيار رجلا؟

حين يمتلك بعض الرجال المال، أو يحققون نجاحا في عالم الأعمال، أو يصلون إلى مكانة اجتماعية معينة، نرى بينهم من يتجه إلى الزواج من أجنبيات، وقد تكون الأولوية لدى بعضهم للجنسية أو المظهر أو الصورة الاجتماعية التي يريد تقديمها عن نفسه. وقد يصل الأمر إلى التفاخر بالزواج من أجنبية، وكأن جنسية الزوجة شهادة إضافية على النجاح والمكانة.

وهنا لا نتحدث عن حق الرجل في الاختيار؛ فهذا حقه، كما أن الاختيار حق المرأة. إنما نتحدث عن ازدواجية المعايير التي تجعل البعض يصف الرجل بأنه ناجح وصاحب ذوق عالمي حين يتزوج أجنبية، ثم يصف المصرية بالخيانة أو قلة الأصل أو سوء الاختيار حين تفعل الشيء نفسه!

لماذا يصبح اختلاف الجنسية ميزة في عين البعض عندما يتعلق الأمر بالرجل، ويتحول إلى مادة للتقليل من شأن المرأة عندما يتعلق الأمر بها؟

ولماذا تلام البنت المصرية على اختيارها، بينما لا يسأل الرجل بالحدة نفسها عن دوافعه واختياراته؟

هل المشكلة فعلا في الزواج من أجنبي، أم أن المشكلة في أننا ما زلنا نتعامل مع المرأة باعتبارها ممثلة لسمعة المجتمع، بينما نمنح الرجل مساحة أوسع ليفعل ما يشاء دون أن يتحول إلى قضية عامة؟

المشكلة ليست في أن تختار المصرية أجنبيا، بل في أن نعتبر اختيارها إهانة لنا.

ومن حقنا، بالطبع، أن نناقش تحديات الزواج عبر الثقافات المختلفة؛ من اختلاف اللغة والعادات والدين في بعض الحالات، إلى قوانين الإقامة، وحقوق الأطفال، والاندماج الاجتماعي، وضمانات الأمان المادي والنفسي. هذه قضايا حقيقية تستحق النقاش الجاد، لكنها لا تحل بالسخرية ولا بالتنمر ولا بتعميم الأحكام على جنسيات كاملة.

إذا كنا نخشى على بناتنا، فلنمنحهن الوعي الذي يحميهن، والثقة التي تساعدهن على اتخاذ القرار، والدعم الذي يجعلهن قادرات على العودة إلينا إذا واجهن مشكلة. أما تحويل كل تجربة مختلفة إلى فضيحة، فلن يحمي امرأة، ولن يبني أسرة، ولن يثبت أن المجتمع أكثر أخلاقًا من غيره.

ثم إن من حقنا أيضًا أن نسأل أنفسنا بصدق: لماذا يبحث بعض شبابنا وبناتنا عن الاستقرار خارج حدود وطنهم؟ ما الذي يجعل بعضهم يشعر بأن فرصته في تكوين أسرة سعيدة قد تكون في مجتمع آخر؟ وهل نريد فعلا فهم الأسباب، أم نكتفي بمهاجمة النتائج لأنها تضعنا أمام أسئلة لا نحب سماعها؟

لا توجد إجابة واحدة تنطبق على الجميع، لكن من الخطأ أن نختزل هذه الظاهرة في اتهام النساء أو التقليل من شأن الرجال الأجانب.

وفي النهاية، لا أحد مطالب بأن يتزوج من خارج مجتمعه، ولا أحد مطالب بأن يقبل اختيارات الآخرين على المستوى الشخصي. لكن الجميع مطالبون بالعدل في أحكامهم، وباحترام حق الإنسان في اختيار شريك حياته ما دام الاختيار قائمًا على الرضا والاحترام ولا ينطوي على استغلال أو أذى.

يا سادة، إذا كان من حق الرجل المصري أن يختار المرأة التي تناسبه، فمن حق المرأة المصرية أن تختار الرجل الذي يناسبها. وإذا كنا نرفض أن يُهان الرجل بسبب جنسية زوجته، فلا يجوز أن نهين المرأة للسبب نفسه.

لا تجعلوا الوطنية اختبارًا في اسم الزوج، ولا تجعلوا كرامة المرأة مرتبطة بجنسية الرجل الذي اختارته. فالمصرية لا تفقد قيمتها حين تتزوج أجنبيًا، كما أن الرجل لا يصبح أفضل لمجرد أن زوجته ليست مصرية.

أما الذين يرفعون شعار الدفاع عن بنات البلد، فالدفاع الحقيقي عنهن لا يكون بالتشهير بهن، ولا بمصادرة قراراتهن، بل بحماية حقوقهن، واحترام كرامتهن، ومحاسبة من يستغلهن أو يؤذيهن، أيا كانت جنسيته.

فالمرأة ليست ملكية عامة، والزواج ليس مسابقة وطنية، والسعادة لا تحمل جواز سفر.

وقبل أن نحاكم بناتنا لأنهن اخترن رجالا من بلاد أخرى، فلنمتلك الشجاعة الكافية لنراجع معاييرنا، ونسأل أنفسنا: هل نريد فعلًا للمرأة المصرية أن تكون سعيدة ومستقرة، أم نريد فقط أن تختار بالطريقة التي ترضي المجتمع، حتى لو لم تكن الطريقة التي تحقق لها السعادة؟

هذا هو السؤال الحقيقي. وما عداه ضجيج لا يصنع وعيا، ولا يحمي امرأة، ولا يبني وطنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى