3 أكتوبر 1973.. الساعات الأخيرة قبل عبور قناة السويس

دخلت مصر وسوريا يوم 3 أكتوبر 1973، الساعات الأخيرة التي سبقت اندلاع حرب أكتوبر، وسط حالة من الاستعداد العسكري المكثف، بينما واصلت القيادة المصرية تنفيذ إجراءات دقيقة للتمويه وإخفاء النوايا الحقيقية للهجوم، في الوقت الذي ظلت فيه إسرائيل تعتمد على تقديرات استخباراتية قللت من احتمالات اندلاع حرب شاملة.
في مصر، كانت الاستعدادات العسكرية قد وصلت إلى مراحلها النهائية، مع استمرار الاجتماعات والتنسيق بين القيادة السياسية والعسكرية، ووضع اللمسات الأخيرة على خطط العمليات المنتظر تنفيذها على الجبهة المصرية، خاصة ما يتعلق بعبور قناة السويس والتعامل مع التحصينات الإسرائيلية الممتدة على الضفة الشرقية للقناة.
وكان المشير أحمد إسماعيل علي، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، يتابع مع قادة الأفرع الرئيسية تفاصيل الاستعدادات، في إطار خطة وضعت لتنفيذ عملية عسكرية واسعة تعتمد على عنصر المفاجأة، مع الحفاظ على أعلى درجات السرية حتى اللحظات الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، وصلت خطة الخداع الاستراتيجي إلى مراحل متقدمة، إذ استمرت مصر في إرسال إشارات هدفت إلى ترسيخ الاعتقاد لدى الجانب الإسرائيلي بأن الأوضاع على الجبهة لا تشير إلى قرب اندلاع حرب.
وشملت إجراءات التمويه تحركات وقرارات ظاهرها طبيعي، من بينها الحديث عن تسريح بعض جنود الاحتياط وفتح باب العمرة أمام ضباط القوات المسلحة، وهي إجراءات ساعدت في دعم الصورة التي أرادت القيادة المصرية إيصالها بشأن عدم وجود استعدادات استثنائية على الجبهة.
وبينما كانت هذه التحركات تجري في العلن، كانت القوات المصرية تستعد في صمت للمهمة المنتظرة، وسط انضباط شديد وحرص على عدم كشف تفاصيل الخطة العسكرية، مع اقتراب موعد ساعة الصفر.
وعلى الجانب الإسرائيلي، كانت التقديرات الاستخباراتية تمثل أحد أبرز العوامل التي ساهمت في استمرار حالة الاطمئنان النسبي، رغم وجود مؤشرات على الحشود والتحركات العسكرية المصرية والسورية.
وكانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وفي مقدمتها شعبة الاستخبارات العسكرية أمان والموساد، تتابع التطورات على الجبهتين المصرية والسورية، إلا أن التقديرات السائدة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية استندت إلى ما عرف لاحقا باسم “الكونسبتسيا”، وهي مجموعة من الافتراضات التي قللت من احتمال قيام مصر وسوريا بشن حرب في ذلك التوقيت.
ومن بين هذه الافتراضات الاعتقاد بأن الدول العربية لن تدخل حربا واسعة قبل امتلاك قدرات جوية بعيدة المدى تمكنها من مواجهة سلاح الجو الإسرائيلي، وهو تقدير أثّر في طريقة قراءة المعلومات والتحذيرات التي وصلت إلى أجهزة الاستخبارات قبل الحرب.
وتزامنت هذه الأجواء مع استعداد إسرائيل للاحتفال بعيد الغفران، أو يوم كيبور، وهو أحد أهم الأعياد اليهودية، الأمر الذي جعل البلاد تعيش أجواء خاصة قبل أن تتحول الساعات التالية إلى حالة طوارئ مع اتضاح مؤشرات الحرب.
وفي الوقت نفسه، كانت التطورات على الجبهة المصرية والسورية تحظى بمتابعة دولية، خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في ظل التوترات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال تلك الفترة.
أما الولايات المتحدة، فكانت منشغلة بأزمة سياسية داخلية كبيرة مرتبطة بفضيحة ووترجيت، في وقت لم تكن فيه تقديراتها بشأن احتمالات اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط تتوقع بصورة واضحة ما كان يجري التحضير له على الأرض.
وفي المقابل، بدأ الاتحاد السوفيتي في التعامل بدرجة أكبر من الحذر مع التطورات العسكرية المصرية والسورية، واتخذ خطوات تتعلق بإجلاء عدد من الخبراء السوفيت وعائلاتهم من مصر وسوريا، في مؤشر على أن موسكو كانت تتابع احتمالات التصعيد العسكري بصورة جدية.
وهكذا بدا يوم 3 أكتوبر 1973 وكأنه الساعات الأخيرة التي سبقت تغيرا كبيرا في المشهد العسكري والسياسي بالمنطقة، فبينما كانت القوات المصرية والسورية تستكمل استعداداتها وتحافظ على سرية خططها، ظلت إسرائيل تعتمد على تقديرات استخباراتية لم تتوقع اندلاع الحرب بالشكل الذي وقع بعد أيام.
وكان عنصر المفاجأة أحد المحاور الرئيسية في الخطة المصرية، حيث تداخلت التحركات العسكرية الفعلية مع إجراءات التمويه والخداع، لتظل النوايا الحقيقية للقيادة المصرية غير واضحة حتى اقتراب لحظة المواجهة.



