اخبار عاجلهمقالاتمقالات كتاب الموقع

الرياض تعيد ترتيب المنطقة وتضع حدًا لعصر الميليشيات.. بقلم: صبحي شبانة

ثمة لحظات في التاريخ لا تبدأ فيها الحروب عندما تُطلق الصواريخ، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، حين تتغير طريقة نظر الدول إلى القوة، وحين تشعر العواصم بأن قواعد اللعبة القديمة لم تعد تحمي مصالحها، وأن الفراغ الذي تركته ترتيبات الأمس صار مغريًا لكل من يريد أن يختبر حدود الآخرين، الشرق الأوسط يعيش واحدة من هذه اللحظات، لا شيء يبدو مستقرًا بما يكفي لكي يقال إن الحرب انتهت، ولا شيء انفجر بما يكفي لكي يقال إن الحرب بدأت، المنطقة معلقة بين احتمالين، وبينهما تتحرك الدول بحذر شديد، كأن الجميع يمشي فوق أرض يعرف أنها قابلة للاشتعال، ولعل أخطر ما في المشهد الراهن أن الصراع لم يعد يدور حول احتلال أرض أو السيطرة على عاصمة، وإنما حول من يملك القدرة على التأثير في مسار الأحداث من بعيد، إيران على مدى عقود طورت نموذجًا إستراتيجيًا يقوم على توسيع مجال أمنها خارج حدودها، عبر بناء شبكة من الميليشيات والأذرع المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن بحيث لا تبقى المواجهة معها محصورة في الجغرافيا الإيرانية، كان ذلك نوعًا من نقل المعركة إلى خارج الحدود، أو بناء خطوط دفاع متقدمة لا تحتاج طهران إلى أن تعترف بها رسميًا لكي تستفيد من وجودها.

لقد بدا هذا النموذج شديد الفاعلية في مراحل عديدة، فالدولة التي تمتلك ميلشيات مسلحة في أكثر من ساحة تستطيع أن ترفع كلفة استهدافها، وأن تجعل أي خصم يفكر في عدد الجبهات التي يمكن أن تفتحها المواجهة قبل أن يقرر الدخول إليها، وبذلك تحولت الجغرافيا العربية في جانب من جوانبها إلى مساحة إستراتيجية تتحرك فيها إيران دون أن تكون مضطرة إلى الوجود العسكري المباشر في كل مكان، لكن الزمن تغير، والأذرع التي كانت تمنح طهران عمقًا إستراتيجيًا بدأت تتحول في الوقت نفسه إلى عبء إستراتيجي، فكلما اتسعت دائرة النفوذ، اتسعت دائرة المسؤولية والمخاطر، وكلما أصبح الوكلاء أكثر استقلالًا في قراراتهم، أصبح التحكم في توقيت التصعيد أكثر صعوبة، وقد كشفت السنوات الأخيرة أن بعض أدوات النفوذ الإيراني تعرضت لضربات قاسية، وأن نموذج الوكلاء الذي بدا في مرحلة ما وكأنه يمنح إيران قدرة على إدارة الإقليم من خلف الستار لم يعد يعمل بالكفاءة نفسها.

لكن انتهاء مرحلة من النفوذ لا يعني بالضرورة انتهاء التفكير الذي أنتجها، وهنا تكمن أهمية التحول الذي نشهده في الجانب الآخر من الخليج، التحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إعلانًا عن قيام محور عسكري يستعد للحرب، بقدر ما ينبغي النظر إليه باعتباره رسالة ردع في لحظة تشهد فيها المنطقة اختلالًا واضحًا في ميزان الأمن، الدول الثلاث لا تتطابق مصالحها في كل الملفات، ولا تتشارك بالضرورة الرؤية نفسها تجاه جميع أزمات الشرق الأوسط، لكنها تلتقي عند فكرة أكثر أهمية: أن الفراغ الأمني لا يمكن أن يستمر، وأن ترك المنطقة بلا ترتيبات ردع مشتركة يفتح الباب أمام القوى الأكثر قدرة على الحركة والمغامرة، القوة هنا لا تُستخدم بالضرورة لكي تبدأ الحرب، وإنما لكي تجعل الحرب أكثر صعوبة، وهذا هو جوهر الردع.

أن تملك القدرة على الرد، بحيث لا يغامر الآخر بالهجوم، أن يكون ثمن المغامرة واضحًا قبل أن تبدأ، أن يعرف من يفكر في توسيع نفوذه أن المنطقة لم تعد ساحة مفتوحة يستطيع فيها طرف واحد أن يرسم قواعد اللعبة ثم يطلب من الآخرين التكيف معها.

ولذلك فإن اجتماع السعودية وتركيا وباكستان يكتسب أهمية تتجاوز الأبعاد العسكرية المباشرة، فالمملكة تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وموقعًا جغرافيًا يجعل أمنها جزءًا من أمن الخليج والبحر الأحمر، وتركيا تمتلك قوة عسكرية وصناعية متنامية، بينما تمثل باكستان قوة عسكرية كبرى ذات موقع إستراتيجي بالغ الحساسية، وعندما تجتمع هذه القدرات في إطار دفاعي، فإن الرسالة لا تكون موجهة بالضرورة إلى دولة بعينها، وإنما إلى مفهوم أوسع وهو أن زمن الفراغ الأمني في المنطقة يقترب من نهايته، غير أن المسألة لا تتوقف عند ميزان القوة، فالسؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو ماذا ستفعل إيران أمام هذا التحول؟، هل تعتبره فرصة لإعادة حساباتها، أم محاولة لمحاصرتها؟، هنا يمكن أن تتحدد طبيعة المرحلة المقبلة.

إذا قرأت طهران التحالف الجديد باعتباره آلية للردع وليس منصة للمواجهة، فقد يكون الشرق الأوسط أمام فرصة نادرة للانتقال من مرحلة التوتر المفتوح إلى مرحلة توازن أكثر عقلانية، أما إذا قرأته بوصفه محاولة لتطويقها، فقد تعود إلى الأداة التي تم استخدامها طويلًا: تحريك الأذرع، اختبار الجبهات، توسيع مساحات الضغط، واستخدام الممرات البحرية والمواقع الجغرافية الحساسة كورقة تفاوض، وهنا تكمن خطورة الشرق الأوسط، فالمشكلة لم تعد في وجود صراع واحد، بل في قابلية الصراعات المختلفة للاتصال ببعضها، اليمن يتصل بالبحر الأحمر، والبحر الأحمر يتصل بقناة السويس، والخليج يتصل بالطاقة العالمية، والعراق يتصل بإيران، ولبنان يتصل بالصراع الإسرائيلي، وسوريا تقع في منتصف خطوط التماس الإقليمية، أي أن المنطقة سوف تتحول الى حلقات متصلة من الأزمات إذا اشتعلت واحدة منها، يمكن أن ينتقل لهيبها إلى الأخرى، والأخطر أن هذه الجغرافيا تتحكم في جزء بالغ الحساسية من الاقتصاد العالمي، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، وباب المندب ليس مجرد طريق للسفن، والبحر الأحمر ليس مجرد مساحة بين قارتين، إنها شرايين للاقتصاد الدولي، أي اضطراب فيها يرفع تكلفة الطاقة والتأمين والنقل، ويعيد تشكيل حركة التجارة، ويضغط على الأسواق، ويجعل العالم كله يدفع ثمن صراع قد لا يكون طرفًا فيه، من هنا تحديدًا يمكن فهم التحول في الدور السعودي، فالرياض لا تبدو راغبة في أن تكون جزءًا من سباق جديد نحو الحرب، على العكس تبدو أكثر إدراكًا من أي وقت مضى أن التنمية والاستثمار والتحول الاقتصادي لا يمكن أن تزدهر فوق أرض مضطربة، وأن المملكة التي تعيد بناء اقتصادها ومكانتها الدولية تحتاج إلى إقليم مستقر، لا إلى شرق أوسط يعيش على إيقاع الصواريخ.

ولهذا فإن القوة السعودية الجديدة لا ينبغي قياسها فقط بعدد الاتفاقات الدفاعية أو حجم الإنفاق العسكري، جزء كبير من هذه القوة يكمن في القدرة على جمع المتناقضات، وفتح قنوات الحوار، والتواصل مع أطراف مختلفة، والبحث عن مساحات يمكن فيها تخفيض التوتر قبل أن يتحول إلى مواجهة، هذه ربما هي المفارقة الأكثر دلالة في السياسة السعودية الجديدة: كلما ازدادت قدرة المملكة على بناء الردع، ازداد اهتمامها بمنع استخدامه، وهذا ليس تناقضًا، إنه شكل أكثر نضجًا من القوة، فالدولة التي لا تملك إلا أدوات الحرب قد تكون قوية عسكريًا، لكنها تظل أسيرة للحرب، أما الدولة التي تستطيع أن تمنع الحرب بالقوة، وتمنعها بالدبلوماسية في الوقت نفسه، فإنها تمتلك هامشًا أوسع للحركة، السعودية اليوم تقف في هذه المساحة، هي لا تستطيع أن تتجاهل التهديدات المحيطة بها، ولا تستطيع أن تسمح بتحول الخليج والبحر الأحمر إلى مناطق مفتوحة للمغامرة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الحرب ليست مشروعًا إستراتيجيًا يمكن أن يخدم التنمية أو الاستقرار، ولذلك فإن نزع فتيل الحرب قد يصبح في المرحلة المقبلة أحد أهم أدوار الرياض. ليس بالوساطة التقليدية وحدها، وإنما ببناء معادلة تجعل الحوار ممكنًا لأن البديل عنه مكلف للجميع، وهنا يصبح التحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني جزءًا من معادلة أكبر، قوة كافية لمنع الاعتداء، ودبلوماسية كافية لمنع الانفجار، لكن هل يكفي ذلك؟، ربما لا.

فالشرق الأوسط لا يحتاج فقط إلى توازن عسكري، وإنما إلى توازن سياسي، والتوازن السياسي لا يمكن أن يقوم على فكرة أن طرفًا ينتصر وآخر ينهزم، بل على اقتناع جميع الأطراف بأن أمن أحدها لا يمكن أن يقوم على إلغاء أمن الآخر، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام إيران، إذا أرادت طهران أن تظل قوة إقليمية مؤثرة، فليس مطلوبًا منها أن تتخلى عن مصالحها أو أن تقبل بتهميش دورها، لكن عليها أن تعيد تعريف مفهوم النفوذ، فالنفوذ الذي يقوم على الميليشيات يستطيع أن يصنع أزمات كثيرة، لكنه يصعب عليه أن يصنع نظامًا إقليميًا مستقرًا، فالقوة التي تدفع الدول المجاورة إلى الخوف من الدولة التي تستخدمها قد تفرض عليها نفوذًا مؤقتًا، لكنها لا تمنحها احترامًا دائمًا، فالخوف قد يفرض الطاعة، لكنه لا يصنع الثقة، والنفوذ الذي يقوم على الردع وحده يظل بحاجة إلى قوة سياسية تحفظ استمراره، ربما آن الأوان لكي تدرك المنطقة كلها أن عصر إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية قد استنفد نفسه، فالاستمرار في تدوير الأزمات يعني أن كل جيل سيولد في ظل أزمة جديدة، وأن كل اتفاق سيصبح مجرد هدنة مؤقتة، وأن كل هدنة ستتحول إلى انتظار للجولة التالية، وما تحتاجه المنطقة الآن ليس هدنة أخرى، وإنما قواعد جديدة تمنع الحرب من أن تصبح الخيار الأول.

وقد يكون التحالف الجديد أحد أهم ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة، ليس بوصفه محورًا في مواجهة محور آخر، وإنما باعتباره قوة ردع قادرة على إعادة ضبط ميزان الأمن الإقليمي ومنع المغامرات التي دفعت المنطقة مرارًا إلى حافة الحرب، فحين تتكامل القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية لدول بحجم السعودية وتركيا وباكستان، تصبح الرسالة أكثر وضوحًا: أمن المنطقة ليس فراغًا يمكن لأي قوة أن تملأه منفردة، ومصالح دولها ليست ساحات مفتوحة للاختبار، إن قيمة هذا التحالف لا تكمن فيما قد يضيفه إلى سباق التسلح، وإنما فيما يمكن أن يمنعه من حروب، فالردع حين يكون واضحًا وموثوقًا لا يشعل الحرب، بل يجعل التفكير فيها أكثر كلفة، ويدفع الأطراف إلى البحث عن التفاهم قبل اختبار القوة، وهذا ما يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازن الإستراتيجي، يصبح فيها الاستقرار نتيجة مباشرة لوجود قوة قادرة على حماية الأمن وردع من يحاول العبث به. مراجعجغرافية

وفي منطقة تتقاطع فيها طرق الطاقة والتجارة الدولية، وتمثل ممراتها البحرية شرايين للاقتصاد العالمي، فإن استقرار الخليج والبحر الأحمر ليس شأنًا إقليميًا محدودًا، بل مصلحة دولية واسعة، فأي اضطراب في هذه الجغرافيا سرعان ما يتجاوز حدودها، وقد يبدأ التوتر عند مضيق لكنه لا يلبث أن يصل إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد في أنحاء العالم، ولهذا فإن التحالف الجديد يمكن أن يكون في جوهره رسالة سلام بقوة الردع، رسالة تقول إن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر ترك المنطقة مكشوفة أمام المغامرات، وإنما عبر بناء توازن يجعل الحرب خيارًا أقل جاذبية، والحوار خيارًا أكثر عقلانية، وهنا تحديدًا تتقدم السعودية في موقع محوري، ليس باعتبارها طرفًا في معادلة الاستقطاب، وإنما باعتبارها قوة إقليمية قادرة على تحويل الردع إلى مظلة للاستقرار، والتحالف إلى وسيلة لحماية السلام.

لهذا فإن السعودية، وهي تبني قدرتها على الردع، تبدو أمام فرصة تاريخية أكبر من مجرد حماية حدودها، إنها تستطيع أن تسهم في بناء مفهوم جديد للأمن الإقليمي؛ أمن لا يقوم على الاستقطاب، وإنما على التوازن، ولا يقوم على وكلاء الحرب، وإنما على الدول، ولا يجعل الممرات الدولية رهائن للصراعات، وإنما مساحات مفتوحة للتجارة، قد لا تكون الطريق سهلة، وقد تتوالد الأزمات قبل أن تنحسر، وقد تحاول قوى إقليمية اختبار صلابة المعادلة الجديدة، لكن التاريخ يعلمنا أن التوازن لا يولد مكتملًا، وإنما يتشكل من سلسلة طويلة من الرسائل والحسابات وإعادة تعريف المصالح، والرسالة التي تبدو اليوم أكثر وضوحًا هي أن المنطقة لم تعد مستعدة لأن تكون ساحة مفتوحة لصراع الآخرين، إيران أمام لحظة مراجعة، والقوى العربية أمام لحظة بناء، والقوى الدولية أمام مسؤولية أكبر، أما السعودية، فربما تكون أمام الدور الأصعب والأكثر أهمية: أن تمتلك من القوة ما يكفي لحماية الاستقرار، ومن الحكمة ما يكفي لمنع القوة من أن تتحول إلى حرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى