
لا يقتصر الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران على النفوذ الإقليمي أو التوازنات العسكرية، بل يظل الملف النووي محور الصراع الأكثر تعقيدًا بين البلدين، إذ تعتبره واشنطن العقبة الرئيسية أمام أي اتفاق دائم، بينما تصفه طهران بأنه حق سيادي لا يمكن التنازل عنه.
الخلاف حول اليورانيوم المخصب
تطالب الولايات المتحدة بإخراج مخزون اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية أو التخلص منه بطريقة تمنع استخدامه مستقبلًا في أي برنامج عسكري، كما تدعو إلى وقف عمليات التخصيب أو قصرها على مستويات منخفضة تخضع لرقابة دولية مشددة.
في المقابل، ترفض إيران التخلي عن مخزونها النووي أو التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم، معتبرة أن ذلك يمثل أحد أبرز مكاسبها الاستراتيجية وأوراقها التفاوضية.
تجارب دولية ناجحة
تاريخيًا، شهد العالم عدة تجارب نجحت في معالجة مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب.
ففي عام 1994، نقلت كازاخستان نحو 600 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة ضمن عملية سرية عُرفت باسم “مشروع سافير”. كما نفذت لاحقًا برنامجًا لتحويل ما يقرب من 2897 كيلوجرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب إلى يورانيوم منخفض التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
أما أوكرانيا، فأعادت بين عامي 2010 و2012 نحو 234 كيلوجرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب إلى روسيا عبر ست عمليات منفصلة، مقابل الحصول على وقود منخفض التخصيب للاستخدام السلمي.
وفي فنزويلا، أُنجزت عملية لنقل نحو 13.5 كيلوجرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة ضمن تعاون دولي شاركت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
النموذج الإيراني في اتفاق 2015
يُعد الاتفاق النووي لعام 2015 أقرب نموذج للحالة الإيرانية، إذ وافقت طهران آنذاك على تقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب، وأرسلت أكثر من 11 طنًا من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا، وهو ما أثبت إمكانية تنفيذ مثل هذه الإجراءات من الناحية الفنية عند توافر التوافق السياسي.
تعقيدات المشهد الحالي
ورغم نجاح التجارب السابقة، فإن الوضع الإيراني أصبح أكثر تعقيدًا في الوقت الراهن، نتيجة ارتفاع مستويات التخصيب، والأضرار التي لحقت ببعض المنشآت النووية، إضافة إلى صعوبة التحقق من أماكن وكميات المواد النووية.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بلغ حتى يونيو 2025 نحو 9874.9 كيلوجرامًا بمستويات تخصيب مختلفة، بينها نحو 440.9 كيلوجرام مخصبة بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة تقترب من المستوى اللازم لإنتاج وقود عالي التخصيب.
أربعة عناصر لأي اتفاق
ويرى خبراء أن أي تسوية مستقبلية للملف النووي الإيراني تتطلب أربعة عناصر رئيسية، تشمل:
- عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقق من الكميات ومواقع التخزين.
- الاتفاق على آلية لنقل المخزون أو خفض مستوى التخصيب أو تحويل جزء منه إلى وقود للاستخدام السلمي.
- توفير ترتيبات أمنية وفنية تضمن سلامة عمليات النقل والمعالجة.
- وضع آلية رقابية طويلة الأجل تمنع إعادة تكوين المخزون بمستويات مرتفعة.
الثقة.. العقبة الأكبر
ورغم إمكانية تنفيذ هذه الإجراءات من الناحية الفنية، فإن العقبة الأساسية تبقى في غياب الثقة بين الطرفين.
فإيران تخشى أن يؤدي التخلي عن مخزونها النووي إلى فقدان أهم أوراق الضغط في أي مفاوضات مستقبلية، بينما ترى الولايات المتحدة أن الاحتفاظ بهذا المخزون داخل الأراضي الإيرانية يمنح طهران القدرة على استئناف أنشطة نووية حساسة إذا انهارت أي تفاهمات سياسية.
ويبقى ملف اليورانيوم الإيراني أحد أكثر الملفات تعقيدًا في العلاقات بين واشنطن وطهران، إذ يتجاوز كونه قضية تقنية ليصبح ورقة سياسية واستراتيجية قد تحدد مستقبل أي اتفاق نووي جديد أو استمرار حالة الجمود بين الجانبين.




