اخبار عاجلهمقالاتمقالات كتاب الموقع

زي القرع يمد لبره (3).. لماذا نصدق الخبير الأجنبي أكثر من العالم المصري؟ بقلم: أمجد جلال

في كل مرة يتحدث فيها خبير اقتصادي مصري عن مستقبل الاقتصاد، أو أستاذ جامعي عن التعليم، أو باحث عن قضية عامة، يمر كلامه أحياناً مرور الكرام.

لكن المشهد يتغير فجأة إذا صدر التقرير نفسه من بنك عالمي، أو مؤسسة أجنبية، أو صحيفة غربية معروفة.

فجأة يتحول الرأي إلى خبر عاجل، والتقرير إلى مادة للنقاش، والكلام نفسه الذي قيل بالأمس إلى حقيقة تستحق الاهتمام.

وهنا يفرض سؤال نفسه:

لماذا نصدق الخبير الأجنبي أكثر من العالم المصري؟

ليست مشكلة خبراء.. بل مشكلة ثقة

ربما لا تكون المشكلة في مستوى الخبراء المصريين، فمصر أنجبت آلاف العلماء والأطباء والباحثين الذين حققوا نجاحات داخل البلاد وخارجها.

لكن المشكلة الحقيقية قد تكون في شيء آخر: الثقة.

ففي أحيان كثيرة لا ننظر إلى الفكرة نفسها بقدر ما ننظر إلى صاحب الفكرة.

إذا قالها أجنبي منحناها اهتماماً أكبر.

وإذا قالها ابن البلد تعاملنا معها بشيء من الشك أو اللامبالاة.

عندما يأتي التصديق من الخارج

كم مرة سمعنا عن عالم مصري لا يعرفه كثيرون داخل وطنه، ثم يتحول إلى مصدر فخر قومي بعد أن يحصل على جائزة دولية؟

وكم مرة تجاهلنا مشروعاً أو منتجاً محلياً حتى نسمع أن دولة أجنبية أشادت به؟

وكأننا لا نكتشف قيمة الأشياء إلا عندما يعترف بها الآخرون أولاً.

عقدة الشهادة الأجنبية

هناك ظاهرة قديمة في مجتمعاتنا يمكن تسميتها “عقدة الشهادة الأجنبية”.

فالتقييم القادم من الخارج يبدو أكثر مصداقية من التقييم المحلي.

وعندما تمدح صحيفة غربية مدينة مصرية نفرح.

وعندما يمدحها أهلها نعتبر الأمر عادياً.

وعندما يتحدث أستاذ مصري عن إنجاز ما نشكك.

لكن إذا تحدثت عنه مؤسسة أجنبية نعيد نشر الخبر آلاف المرات.

هل نحن أقل شأناً فعلاً؟

السؤال الأهم ليس لماذا نصدق الأجنبي؟

بل لماذا لا نصدق أنفسنا؟

هل فقدنا الثقة في قدراتنا إلى هذا الحد؟

هل تراكمت الإخفاقات حتى أصبحنا ننتظر شهادة الخارج لنقتنع بما لدينا؟

أم أننا تعودنا عبر سنوات طويلة أن ننظر إلى أنفسنا بعيون الآخرين؟

المشكلة ليست في الأجنبي

ليس المقصود من هذا الحديث التقليل من قيمة الخبراء أو المؤسسات الدولية.

فالعلم لا وطن له، والمعرفة تُحترم أينما جاءت.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار الحقيقة هو جنسية المتحدث لا قوة الفكرة.

فالخبير المصري قد يخطئ وقد يصيب.

والخبير الأجنبي قد يخطئ وقد يصيب.

والمفترض أن نحاكم الأفكار بالأدلة لا بجواز السفر.

بين الانفتاح والثقة بالنفس

الانفتاح على العالم ضرورة.

والاستفادة من الخبرات الدولية ضرورة أيضاً.

لكن الثقة بالنفس ضرورة لا تقل أهمية.

فالأمم التي لا تثق بعقول أبنائها تظل دائماً تنتظر من الآخرين أن يخبروها من هي، وماذا تملك، وما الذي تستحقه.

وربما كانت المشكلة الحقيقية التي نحاول فهمها في هذه السلسلة ليست أننا نحب الأجانب أكثر مما ينبغي.

بل أننا لا نثق في أنفسنا بالقدر الذي ينبغي.

وهنا تحديداً يبدأ السؤال الذي لا يزال يبحث عن إجابة:

هل نحن بالفعل نعطي القيمة للغريب أكثر من صاحب الأرض؟

أم أن “القرع” ما زال يمد لبره؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى