مقالاتمقالات كتاب الموقع

المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: حسن التأويل تعزيز الثقة بالنفس

من ألطف ما يُروى في حسن التأويل أنه لا يدفع الحرج بالإنكار، ولا يواجه الإحراج بالتبرّم والاعتذار، بل يرفعه إلى معنى أوسع؛ فينقل الوصف من ضيق النقص إلى سعة الدلالة، ويحوّل ما يُظنّ عيبا إلى وجه من الجمال أو الحكمة…

فحين سُئلت امرأة عن شقّ في شفتيها قالت: إن التين إذا حلا تشقق، والورد إذا مسّه الندى تفتق.. وقيل لقصيرة: ما أقصرك! فقالت: ما قصرت أنا، ولكن طال غيري.. وقيل لسمراء: ما أشدّ سوادك! فقالت: أما الليل فبسواده تُطلب الراحة، وفي سواد العين نور البصر، ومن العنبر والمسك أطيب الروائح…

ليست هذه الأجوبة مجرّد سرعة خاطر، بل أثر نفوس عرفت قدرها، واستقرّت على ثقتها بذاتها؛ فلم تجعل قيمتها رهينة أوصاف الناس، ولا صورتها أسيرة أحكام العابرين.. فالكلمة لا تنال من الإنسان بذاتها، وإنما بما يفسح لها في داخله من موضع ومعنى..

وهنا ترتقي البلاغة من مجرّد ردّ القول إلى إعادة توجيه النظر؛ فهي لا تنفي الوصف دائما، لكنها تكشف له وجها آخر. فكثير مما يُحسب نقصا لا يكمن في الشيء نفسه، بل في زاوية النظر إليه…

ومن هنا تتفرّع الخلاصة: ليست الحرية أن تُسكت ألسنة الناس، بل أن تتحرّر من سلطانها؛ وأن تعرف قدرك حقّ المعرفة، حتى لا يصبح تعريفك لنفسك أسير كلمة قالها غيرك، بل مرآة صافية لحقيقة لا يملك أحد أن ينتقص منها أو يعيد رسمها إلا أنت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى