من باب زويلة إلى بوابات الكمباوندات.. عندما كانت العمارة المصرية تصنع الجمال لا تبيع العزلة

بقلم: أمجد جلال
قبل أن تظهر مصطلحات «الكمباوند» و«المجتمعات السكنية المغلقة» و«المدن المتكاملة»، كانت مصر تعرف بالفعل أشكالًا متقدمة من التخطيط العمراني، والمدن المحاطة بالأسوار، والبوابات الضخمة التي تنظم الحركة وتحمي السكان.
ولعل القاهرة التاريخية تقدم واحدًا من أبرز النماذج التي تستحق التأمل والمقارنة مع ما نشهده اليوم من توسع هائل في المشروعات العقارية الحديثة.
فعندما أسس القائد جوهر الصقلي القاهرة سنة 969 ميلادية، في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، بدأت المدينة بوصفها عاصمة جديدة محاطة بالأسوار، تضم القصور والمنشآت الدينية والإدارية.
وفي عهد بدر الجمالي، خلال القرن الحادي عشر، شهدت أسوار القاهرة إعادة بناء وتطوير، وظهرت بوابات ضخمة لا تزال بعض نماذجها قائمة حتى اليوم، وفي مقدمتها باب النصر وباب الفتوح وباب زويلة.
لم تكن هذه البوابات مجرد فتحات في الأسوار، وإنما كانت منشآت معمارية وعسكرية تجمع بين المتانة والجمال والدقة الهندسية.
وقد استطاع المعماريون في تلك العصور استخدام الأحجار والعقود والأبراج والزخارف لصناعة هوية بصرية مميزة للمدينة.
ومع مرور الزمن، اتسعت القاهرة خارج أسوارها، وتغيرت وظائف كثير من المنشآت، لكن العمارة بقيت شاهدة على عبقرية من شيدوها.
وفي مراحل تاريخية لاحقة، ظهرت منشآت ضخمة أخرى، من بينها سور مجرى العيون الذي ارتبط بمنظومة نقل المياه إلى قلعة صلاح الدين، وهو ليس سورًا سكنيًا أو دفاعيًا، لكنه يقدم شاهدًا آخر على قدرة المعماري المصري على الجمع بين الوظيفة الهندسية والحضور العمراني المميز.
واليوم، وبعد مرور قرون طويلة، تعود فكرة التجمعات المحاطة بالأسوار في صورة الكمباوندات الحديثة.
وهنا ينبغي التمييز بين المدينة التاريخية المسوّرة والكمباوند المعاصر؛ فالأولى كانت غالبًا وحدة سياسية واقتصادية واجتماعية تضم فئات وأنشطة متعددة، بينما الثاني مشروع سكني خاص، تختلف طبيعة إدارته ووظيفته وعلاقته بالمدينة المحيطة.
ومع ذلك، فإن المقارنة بين النموذجين تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول فلسفة العمارة المصرية.
ففي القاهرة القديمة، كانت المباني تتفاعل مع المناخ والبيئة المحلية، وكانت الأفنية الداخلية والمشربيات والممرات المظللة تؤدي وظائف عملية إلى جانب قيمتها الجمالية.
أما في كثير من المشروعات الحديثة، فقد أصبح الاعتماد على الواجهات الزجاجية والتصميمات المستوردة والأسماء الأجنبية جزءًا من صناعة الصورة التسويقية.
ولا يعني ذلك رفض العمارة الحديثة، أو إنكار ما حققته من تقدم في مواد البناء والسلامة والخدمات والبنية الأساسية.
لكن التقدم الحقيقي لا ينبغي قياسه بارتفاع المباني أو أسعار الوحدات فقط، وإنما بقدرة العمران على توفير حياة إنسانية متوازنة، ومساحات عامة جيدة، وهوية معمارية واضحة، واستدامة طويلة الأجل.
ولعل المفارقة أن أبواب القاهرة التاريخية ما زالت تحتفظ بقيمتها الجمالية والثقافية بعد نحو ألف عام، بينما لم يمض على إنشاء كثير من التجمعات الحديثة سوى سنوات قليلة، ومع ذلك يصعب أحيانًا تمييز أحدها عن الآخر من حيث الطابع المعماري.
لقد كان للعمارة المصرية عبر عصورها المتعاقبة شخصيتها الخاصة، من العمارة الفرعونية إلى القبطية والإسلامية، وصولًا إلى نماذج مميزة من عمارة القرنين التاسع عشر والعشرين.
والسؤال الذي يجب أن يشغل المطورين والمعماريين اليوم ليس فقط: كيف نبني المزيد من الوحدات السكنية؟
بل كيف نبني مدنًا تستحق أن تعيش، وأن تحتفظ بقيمتها وجمالها بعد مئات السنين؟
إننا لا نحتاج إلى استنساخ القاهرة الفاطمية، ولا إلى إعادة بناء أسوارها، وإنما نحتاج إلى استعادة فلسفة أعمق: أن يكون المبنى جزءًا من حضارة، وأن تكون المدينة مكانًا للحياة لا مجرد سلعة للبيع.
فالحضارة لا تُقاس بعدد الكمباوندات، ولا بارتفاع أسعار المتر، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس وذاكرة المكان.
لقد بنى أجدادنا أسوارًا لحماية مدنهم، وتركوا لنا عمارة نحميها اليوم باعتبارها تراثًا إنسانيًا. فهل نبني نحن اليوم ما يستحق أن تحميه الأجيال القادمة؟




