اخبار عاجلهمقالاتمقالات كتاب الموقع

أبطال صنعوا النصر ولم يحملوا السلاح (2)

رؤوف شاكر ميخائيل.. العالم المصري الذي ارتبط اسمه بابتكار أعاد المطارات للحياة خلال ساعات

إعداد وتقديم: أمجد جلال

لم يكن نصر السادس من أكتوبر عام 1973 مجرد انتصار حققه الجنود والضباط على جبهة القتال، بل كان أيضًا انتصارًا للعقل المصري، ولعلماء ومهندسين وعمال مدنيين أدركوا أن معركة تحرير الأرض لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما بالعلم والإبداع والقدرة على إيجاد حلول لمشكلات بدت مستحيلة.

ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة، يبرز اسم العالم المصري الدكتور رؤوف شاكر ميخائيل، أستاذ الكيمياء بكلية العلوم بجامعة عين شمس، الذي تنسب إليه روايات صحفية المساهمة في تطوير خلطة أسمنتية سريعة التصلب، ساعدت فكرتها في مواجهة واحدة من أخطر المشكلات التي واجهت القوات الجوية المصرية: تعطيل ممرات الطائرات نتيجة القصف الإسرائيلي.

المشكلة.. كيف تقلع الطائرات من مطار تعرض للقصف؟

بعد نكسة يونيو 1967، أدركت القيادة العسكرية المصرية أن حماية القوات الجوية لا تتوقف على توفير الطائرات وتدريب الطيارين، بل تمتد إلى ضمان استمرار عمل المطارات والقواعد الجوية.

فقد كان استهداف ممرات الإقلاع والهبوط وسيلة لتعطيل الطائرات المصرية عن تنفيذ مهامها، حتى دون تدمير الطائرات نفسها.

وكانت المشكلة أن إصلاح الممرات الخرسانية بالطرق التقليدية يستغرق وقتًا، بينما لا تنتظر المعارك اكتمال أعمال البناء والإصلاح.

وهنا أصبحت سرعة إعادة تشغيل المطارات ضرورة عسكرية، وبرزت الحاجة إلى حلول علمية وهندسية تسمح بإصلاح الممرات المتضررة خلال ساعات.

رؤوف شاكر ميخائيل.. عندما تدخل الكيمياء معركة الوطن

وفقًا لروايات صحفية تناولت سيرته، ارتبط اسم الدكتور رؤوف شاكر ميخائيل بمحاولات تطوير تركيبة أسمنتية قادرة على اكتساب الصلابة المطلوبة في وقت قصير.

وتشير الروايات المتداولة إلى أن هذه التركيبة كانت تستهدف اختصار زمن إصلاح ممرات الطائرات إلى نحو أربع ساعات بدلًا من فترات قد تصل إلى يومين.

وإذا كانت هذه التفاصيل تعكس طبيعة التحدي العلمي الذي واجهته مصر آنذاك، فإن نسبة التركيبة تحديدًا إلى الدكتور رؤوف شاكر ميخائيل، وكذلك رقم الأربع ساعات، ما زالت تحتاج إلى توثيق مستقل من سجلات البحث العلمي أو الوثائق العسكرية.

لكن المؤكد تاريخيًا أن مصر استخدمت بالفعل خلطات أسمنتية سريعة الشك لإصلاح ممرات المطارات خلال حرب أكتوبر، وأن المؤسسات المدنية شاركت في تجهيزها وإنتاجها.

شهادة قائد القوات الجوية في حرب أكتوبر

تكشف شهادة تاريخية للفريق طيار محمد حسني مبارك، قائد القوات الجوية المصرية خلال حرب أكتوبر، عن الدور الكبير الذي لعبته الخلطات الأسمنتية سريعة الشك في الحفاظ على استمرار العمليات الجوية.

ففي روايته عن الحرب، تحدث عن تجهيز هذه الخلطات بالقرب من المطارات، بمشاركة شركات ومواقع عمل مدنية، بينما كانت الوحدات الهندسية تتولى إصلاح الممرات المتضررة وإعادتها إلى الخدمة.

وكانت النتيجة أن المطارات المصرية استطاعت استعادة قدرتها على العمل خلال ساعات، رغم الغارات التي استهدفت تعطيلها.

وتكشف هذه الشهادة أن ما جرى لم يكن مجرد عملية إصلاح عادية، بل منظومة متكاملة من العمل العلمي والصناعي والهندسي، جمعت بين المدنيين والعسكريين لتحقيق هدف واحد: استمرار قدرة القوات الجوية المصرية على القتال.

معركة الاستمرار في القتال

لم تكن أهمية هذه الخلطات في سرعة تصلب الأسمنت فقط، بل في النتائج التي ترتبت على استخدامها.

فكل ساعة يظل فيها المطار خارج الخدمة تعني تقليص القدرة على تنفيذ المهام الجوية، بينما تعني سرعة إصلاح الممرات استمرار عمليات الإقلاع والهبوط.

وقد برهنت حرب أكتوبر على أن القدرة على الاستمرار في القتال لا تقل أهمية عن القدرة على توجيه الضربة الأولى.

ولهذا كان المهندسون والفنيون والعمال الذين شاركوا في تجهيز المطارات وإصلاحها جزءًا أصيلًا من منظومة النصر.

أبطال خلف خطوط القتال

عندما نتحدث عن حرب أكتوبر، تتجه الذاكرة عادة إلى أبطال العبور، وقادة القوات المسلحة، والطيارين الذين خاضوا المعارك الجوية.

لكن خلف هؤلاء جميعًا كانت هناك جبهة أخرى تعمل في صمت.

جبهة تضم العلماء والباحثين والمهندسين وعمال المصانع وشركات القطاع العام، الذين وضعوا خبراتهم وإمكاناتهم في خدمة المجهود الحربي.

ومن هنا تكتسب قصة الدكتور رؤوف شاكر ميخائيل أهميتها، باعتبارها مدخلًا للبحث في إسهامات العلماء المدنيين خلال سنوات الاستنزاف والاستعداد لحرب التحرير.

وهي أيضًا دعوة إلى المؤسسات العلمية والجامعات المصرية لفتح أرشيفها وتوثيق إسهامات باحثيها، حتى يحصل كل صاحب إنجاز على حقه في التاريخ.

العلم سلاح لا يقل أهمية عن المدافع

إن الدرس الذي تقدمه تجربة مصر في حرب أكتوبر يتجاوز حدود المعركة العسكرية.

فالدولة التي تستطيع توظيف علمائها ومهندسيها ومصانعها في مواجهة التحديات، تمتلك قدرة أكبر على الصمود وتحقيق أهدافها.

ولعل أحد أهم دروس أكتوبر أن التفوق لا يقاس فقط بحجم الإمكانات المتاحة، بل بقدرة الإنسان على استغلالها وتطويرها وإيجاد حلول مبتكرة عندما تفرض الظروف تحديات استثنائية.

كلمة أخيرة

إن استعادة قصص العلماء المدنيين المرتبطين بحرب أكتوبر ليست مجرد محاولة للاحتفاء بالماضي، بل هي واجب تجاه أجيال جديدة تحتاج إلى معرفة أن خدمة الوطن لها ميادين كثيرة.

فكما كان هناك جندي يعبر قناة السويس، كان هناك مهندس يصلح ممرًا، وعامل يجهز مادة، وباحث يبحث عن حل علمي لمشكلة قد تؤثر في سير المعركة.

وتبقى قصة الدكتور رؤوف شاكر ميخائيل جديرة بمزيد من التوثيق، حتى يمكن تحديد دوره الشخصي بدقة، بعيدًا عن المبالغات أو التفاصيل غير المثبتة.

فالنصر لا تصنعه البنادق وحدها، وإنما تصنعه أيضًا العقول التي تعرف كيف تحول العلم إلى قوة، والفكرة إلى إنجاز، والتحدي إلى فرصة للانتصار.


المصادر والمراجع

1- جريدة الوطن المصرية: «مبارك في مذكراته: تفاصيل الصدام الرهيب مع طيران العدو في حرب أكتوبر»، ويتضمن شهادة عن الخلطات الأسمنتية سريعة الشك ودور المؤسسات المدنية في إصلاح ممرات المطارات.

https://www.elwatannews.com/news/details/335639

2- المجموعة 73 مؤرخين: «حوار مع الفريق طيار محمد حسني مبارك قائد القوات الجوية»، ويتناول استخدام الخلطات الأسمنتية لإعادة تشغيل ممرات الطائرات خلال ساعات.

https://group73historians.com/حرب-أكتوبر/849-حوار-مع-الفريق-طيار-محمد-حسني-مبارك-قائد-القوات-الجويه.html

3- زاجل الإخباري، 10 أكتوبر 2026: «العالم المصري رؤوف شاكر ميخائيل.. حكاية ابتكار كيميائي ارتبطت بحماية المطارات المصرية خلال حرب الاستنزاف»، بقلم الدكتور شريف الجندي. ويتناول الرواية المنسوبة للعالم المصري مع الإشارة إلى الحاجة لتوثيق تفاصيلها.

ملاحظة توثيقية: تؤكد الشهادات المنشورة استخدام الأسمنت سريع الشك في إصلاح ممرات المطارات، لكنها لا تحسم بصورة مستقلة نسبة اختراع الخلطة إلى الدكتور رؤوف شاكر ميخائيل.


سلسلة: أبطال صنعوا النصر ولم يحملوا السلاح

الحلقة الثانية

إعداد وتقديم: أمجد جلال

يتبع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى