تأكل كنز مصر الاستراتيجي.. ولا حياة لمن تنادي.. بقلم: أمجد جلال

لسنوات طويلة، تعاملنا مع المصريين في الخارج باعتبارهم رقمًا في نشرة البنك المركزي.. كلما زادت تحويلاتهم احتفلنا، وكلما تراجعت تحدثنا عن أزمة في النقد الأجنبي.
لكن ماذا لو كان هذا هو الجزء الأصغر من الحكاية؟
ماذا لو كان المصري الذي يعيش ويعمل في الخارج ليس مجرد شخص يرسل أموالًا إلى أسرته في مصر، وإنما أصل استراتيجي متكامل تملكه الدولة المصرية، ويمكن أن يكون له دور في الاستثمار والإنتاج ونقل الخبرة وفتح الأسواق وربط الاقتصاد المصري بالعالم؟
هنا تحديدًا تبدأ المشكلة.
فالمصري في الخارج ليس مجرد راتب يحوَّل إلى مصر آخر الشهر.
هو مهندس وطبيب ومحاسب ومبرمج ومدير وتاجر وفني وحرفي ومستثمر وصاحب خبرة وعلاقات مهنية وتجارية اكتسبها خلال سنوات عمله في أسواق مختلفة.
ومع ذلك، ما زالت النظرة إلى هذا الملف في كثير من الأحيان تدور حول سؤال واحد: كم يرسل المصريون إلى مصر؟
بينما السؤال الأهم يجب أن يكون:
كيف نستثمر في المصري نفسه؟
المصري في الخارج.. مشروع لا تحويل بنكي
الأرقام وحدها تكشف حجم هذا الأصل.
فقد سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 نحو 41.5 مليار دولار، بزيادة 40.5% عن عام 2024، وهو أعلى مستوى سنوي مسجل وقتها.
ثم واصلت التحويلات ارتفاعها؛ ففي السنة المالية 2025/2026 بلغت نحو 47.3 مليار دولار، بزيادة 29.6% عن السنة المالية السابقة.
وخلال الشهور السبعة الأولى من عام 2026 وحدها، سجلت التحويلات نحو 29.7 مليار دولار، بزيادة 28.1% عن الفترة نفسها من 2025.
هذه أموال ضخمة بكل المقاييس.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط:
كم يرسل المصريون إلى مصر؟
بل:
ماذا تفعل مصر بالمصري نفسه؟
فالمصري الذي قضى عشر سنوات أو عشرين سنة في الخارج لا يعود إلى مصر ومعه مدخراته فقط.
يعود بخبرة.
يعود بمعرفة بأسواق أخرى.
يعود بعلاقات.
يعود بثقافة عمل مختلفة.
يعود بخبرة في التكنولوجيا والإدارة والتسويق والإنتاج.
وربما يعود بشبكة من العملاء والشركاء والزملاء الذين يمكن أن يمثلوا بوابة لمنتجات وخدمات مصرية إلى أسواق جديدة.
وهذا كله لا يظهر في كشف حساب البنك المركزي.
وهنا تحديدًا يجب أن يتغير التفكير.
المصري في الخارج ليس تحويلًا ماليًا.. المصري في الخارج مشروع اقتصادي قائم بذاته.
الخليج.. إنذار يجب ألا نتجاهله
وتزداد أهمية هذه القضية عندما ننظر إلى أسواق الخليج.
فدول الخليج تعمل منذ سنوات على سياسات مختلفة لتوطين الوظائف وتنظيم أسواق العمل وزيادة مشاركة مواطنيها فيها.
وهذا حق طبيعي لكل دولة في إدارة سوق العمل لديها.
لكن من حق مصر أيضًا أن تسأل:
ماذا أعددنا إذا انخفضت قدرة بعض الأسواق الخارجية على استيعاب أعداد كبيرة من العمالة المصرية؟
هذه ليست قضية تخص العامل الذي قد يفقد وظيفته فقط.
إنها قضية اقتصادية مصرية.
فكل مصري يعمل في الخارج يمثل أسرة، ودخلًا، ومدخرات، وخبرة، وعلاقات، واحتمالًا مستقبليًا للاستثمار.
وبالتالي، فإن تغير احتياجات أسواق العمل الخارجية يجب ألا يُقابل فقط بمحاولات البحث عن سوق عمل بديل.
بل يجب أن يكون دافعًا لبناء اقتصاد مصري قادر على استقبال العائدين وتحويل خبراتهم ومدخراتهم إلى إنتاج.
من وزارة مستقلة إلى قطاع داخل الخارجية.. والسؤال: ماذا بعد؟
وهنا نصل إلى نقطة مهمة في إدارة الملف.
لم تعد هناك وزارة مستقلة باسم «وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج»، فقد جرى دمج ملف الهجرة وشؤون المصريين بالخارج ضمن وزارة الخارجية.
وفي أكتوبر 2024، أكدت وزارة الخارجية أن قطاع الهجرة أصبح تحت مظلتها، مع التأكيد على التواصل المستمر مع الجاليات والاستفادة من خبرات المصريين بالخارج ودعم ارتباطهم بالوطن.
وفي سبتمبر 2026 أعلنت وزارة الخارجية عن تطوير هيكلها المؤسسي واستحداث قطاع للهجرة يتعامل مع أبعاد مختلفة للملف، من بينها انتقال العمالة المصرية بشكل نظامي والهجرة الموسمية والعودة وإعادة الإدماج.
إذن القضية ليست في اسم الوزارة أو شكل الهيكل الحكومي.
القضية الحقيقية هي:
ماذا نريد من هذا الملف؟
هل نريد فقط حل مشكلات المصريين بالخارج، وتقديم الخدمات القنصلية، والتواصل مع الجاليات؟
أم نريد أن يتحول ملف المصريين بالخارج إلى مشروع اقتصادي واستراتيجي متكامل؟
فالخارجية هي بوابة مصر إلى العالم.
لكن المصريين بالخارج أنفسهم يمكن أن يكونوا أيضًا بوابة مصر إلى الأسواق والخبرات والاستثمارات.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
بعد دمج الملف في وزارة الخارجية، هل سنظل نتعامل مع المصري بالخارج باعتباره مواطنًا يحتاج إلى خدمة قنصلية وتحويلات مالية، أم سننظر إليه باعتباره شريكًا اقتصاديًا واستثماريًا وسوقًا وخبرة وشبكة علاقات دولية؟
هذه هي النقلة التي يحتاجها الملف.
العودة إلى مصر لا يجب أن تكون عودة إلى نقطة الصفر
المشكلة ليست في أن يعود المصري من الخارج.
المشكلة أن يعود ويكتشف أن سنوات الغربة وخبرته ومدخراته وعلاقاته لا تجد منظومة تستوعبها.
لماذا لا يكون هناك مسار واضح يمكن أن نطلق عليه:
«العودة الاقتصادية للمصريين بالخارج»؟
مسار يستطيع من خلاله المصري العائد أن يعرف، من أول يوم، ما هي المشروعات المتاحة له، وما هي الأراضي، وما هي فرص الشراكة، وما هي التسهيلات التمويلية، وما هي المناطق الصناعية والزراعية المناسبة لخبرته ورأس ماله، وكيف يحصل على التراخيص، ومن يساعده في دراسة الجدوى والتسويق؟
بدلًا من أن يدخل العائد في متاهة الجهات والإجراءات، لماذا لا يجد كيانًا واحدًا يتولى توجيهه وربطه بالجهات المختصة؟
الفكرة ليست بعيدة عن توجهات الدولة نفسها.
فوزارة الخارجية أعلنت بالفعل عن الاهتمام بالاستفادة من خبرات المصريين بالخارج ودعم جهود التنمية والاقتصاد الوطني، كما جرى التأكيد على أهمية المبادرات التي تربط المصريين بالخارج بالاستثمار والتنمية.
كما ناقشت وزارة الخارجية ووزارة العمل إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة وشاملة للعمالة المصرية بالخارج، بهدف توفير معلومات أدق تساعد في رسم السياسات والتخطيط المستقبلي والتواصل مع العمالة المصرية.
لكن المطلوب أن تتحول هذه الأفكار إلى منظومة متكاملة يشعر بها المصري في الخارج على أرض الواقع.
لماذا لا نبني «اقتصاد المصريين بالخارج»؟
مصر تحتاج إلى الانتقال من فكرة المبادرة إلى فكرة المنظومة.
منظومة يكون فيها لكل مصري بالخارج، بصورة اختيارية ومع الحفاظ على خصوصية بياناته، مسار واضح يستطيع من خلاله تعريف الدولة بتخصصه وخبرته واهتماماته الاستثمارية.
ثم يجد أمامه فرصًا حقيقية تتناسب مع هذه الخبرة.
مهندس مصري في الخليج يمكن أن يكون شريكًا في شركة هندسية.
طبيب يمكن أن يشارك في مشروع طبي.
متخصص تكنولوجيا يمكن أن ينشئ شركة برمجيات في مصر.
تاجر يمكن أن يفتح سوقًا لصادرات مصرية.
خبير في الصناعة يمكن أن ينقل خبرته إلى مصنع مصري.
ومزارع أو مستثمر يمكن أن يدخل في مشروع زراعي.
حتى صاحب المدخرات المحدودة يجب أن يجد أدوات استثمار واضحة وموثوقة تناسب قدراته.
الفكرة أن الدولة لا تنتظر منه أن يقول:
«أنا عايز أستثمر.. قولولي أعمل إيه؟»
بل تكون لديها منظومة تقول له:
«أنت عندك خبرة في المجال الفلاني، ولدينا فرص تناسب خبرتك ورأس مالك، وهذه الجهات التي ستساعدك، وهذه الخطوات التي تحتاج إليها.»
هنا فقط يتحول المصري في الخارج من مصدر للعملة الأجنبية إلى شريك في الاقتصاد المصري.
لا تستهلك الكنز.. نمِّه
مصر لا تستطيع أن تضمن إلى الأبد أن كل الأسواق الخارجية ستظل مفتوحة أمام العمالة المصرية بنفس الشكل.
ولا تستطيع أن تمنع دولًا أخرى من تبني سياسات توطين وظائفها.
لكنها تستطيع أن تفعل شيئًا أهم:
أن تجعل المصري أينما كان مرتبطًا باقتصاد بلده.
يعمل في الخارج؟ مرحبًا.
يستثمر في مصر؟ مرحبًا.
يؤسس مشروعًا؟ مرحبًا.
ينقل خبرته لشركة مصرية؟ مرحبًا.
يفتح سوقًا لصناعة مصرية في الخارج؟ مرحبًا.
يعود إلى مصر بعد عشرين عامًا؟ يجد نظامًا ينتظره ويعرف كيف يستفيد منه.
هذه هي الدولة التي تعرف قيمة أبنائها.
أما أن نتذكر المصري في الخارج عندما نحتاج إلى الدولار، ثم نتركه يبحث وحده عن فرصة استثمار أو عودة أو إعادة توظيف لخبرته، فنحن بذلك لا نستفيد من الإمكانات الحقيقية لهذا الكنز.
مصر لا تحتاج فقط إلى أموال المصريين في الخارج.. مصر تحتاج إلى المصريين أنفسهم.
وتلك ربما تكون أهم نقطة في القضية كلها.
لأن عشرات المليارات من الدولارات التي تدخل مصر سنويًا مهمة للغاية، لكن القيمة الأكبر قد تكون فيما لا يظهر في أرقام البنك المركزي:
الخبرة.. والعلاقات.. والمعرفة.. والمهارة.. ورأس المال.. والقدرة على فتح أبواب جديدة أمام الاقتصاد المصري.
إذا نجحنا في تحويل جزء من هذه الإمكانات إلى مصانع وشركات ومزارع ومشروعات وتكنولوجيا وصادرات وفرص عمل، فالقيمة الحقيقية ستكون أكبر بكثير من مجرد رقم في حسابات التحويلات.
الكنز الحقيقي ليس ما يرسله المصري من الخارج.
الكنز الحقيقي هو المصري نفسه.
والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحًا أمام الدولة:
هل نكتفي باستهلاك هذا الكنز.. أم نبدأ أخيرًا في تنميته؟
بقلم: أمجد جلال




