محمود عابدين يكتب.. زيارة ” تشي جين ” للقاهرة.. أزعجت: واشنطن وتل أبيب

لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مجرد زيارة دولة عادية، ولم يكن توقيتها عابرًا، ففي يوم ١ و٢ من الشهر الجاري؛ كانت الزيارة الاولى لـ “شي” إلي القاهرة بعد زيارته التي مر عليها عشر سنوات تقريبًا، حيث التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، في وقت تعيش فيه المنطقة العربية واحدة من أكثر وأعقد لحظاتها اضطرابًا، مع استمرار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران من ناحية، ومن الناحية الثانية ما نتج عن ذلك من اضطرابات طالت حركة الملاحة والطاقة، وتصاعد الأسئلة حول مستقبل النظام الأمني في المنطقة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الزيارة، فالصين لم تأتِ إلى القاهرة لتوقيع اتفاقيات اقتصادية فقط، وإنما جاءت برسالة سياسية واضحة: بكين تريد أن يكون لها صوت أكبر في المنطقة، ومصر تمثل إحدى أهم البوابات التي تدخل منها الصين إلى هذه المنطقة؛ لذلك بدأت دوائر سياسية وإعلامية في واشنطن وإسرائيل تنظر إلى الزيارة بقلق بالغ، ويبقى السؤال الأهم: لماذا مصر تحديدًا….؟؟ وما الذي جعل هذه الزيارة مختلفة….؟؟، وتأتي الإجابة في عدة رسائل:
أولًا: الصين تقترب من أهم حليف عربي لواشنطن وهو مصر؛ فمصر بالنسبة إلى الولايات المتحدة ليست دولة عادية؛ لانها الشريك الأمني والسياسي الرئيسي لواشنطن في الشرق الأوسط، ولها دور محوري في ملفات غاية في الخطورة والاهمية مثل: غزة والبحر الأحمر والملاحة الدولية، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها لاعبًا أساسيًا في أي ترتيبات إقليمية.
لكن خلال السنوات الأخيرة، تمددت مصر في علاقاتها مع الصين بصورة واضحة، وبكين أصبحت من أكبر المستثمرين في مصر، خصوصًا في مشروعات البنية التحتية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بينما وصلت التجارة بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة، وتشير تقارير حديثة إلى أن الاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار، في حين يقترب حجم التجارة السنوية بين البلدين من 20 مليار دولار.
وبالتالي، فإن ما تراه واشنطن هو قوة كبرى منافسة لها وهي تبني نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا داخل دولة تعتبرها الولايات المتحدة – كما ذكرنا – شريكًا استراتيجيًا، وهذا هو جوهر المشكلة.
ثانيًا: الرئيس الصيني أشار وبشكل علني وصريح عن ضرورة إعادة التفكير في أمن المنطقة، وذلك عندما دعا دول الشرق الأوسط إلى رفض “التدخل الخارجي”، وأن تكون شعوب المنطقة هي صاحبة القرار في مستقبلها، كما تحدث عن تعزيز الحوار الإقليمي بشأن السلام والأمن، وأبدى استعداد الصين للعمل مع دول المنطقة لحماية الملاحة البحرية؛ هذه الكلمات تبدو دبلوماسية في ظاهرها، لكنها تحمل مضمونًا استراتيجيًا كبيرًا؛ لأن الشرق الأوسط ظل لعقود يعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية.
وعندما تأتي الصين وتقول إن دول المنطقة يجب أن تعيد صياغة نظامها الأمني وأن تتخلص من التدخلات الخارجية، فإن الرسالة يمكن قراءتها باعتبارها تحديًا غير مباشر للنموذج الذي قادته واشنطن بالبلطجة والقوة والابتزاز لعقود طويلة؛ فبكين لا تقول صراحة: “أخرجوا أمريكا من الشرق الأوسط”؛ لكنها تقول شيئًا قريبًا من ذلك سياسيًا: المنطقة تستطيع أن تبحث عن ترتيبات أمنية لا تعتمد على قوة خارجية واحدة.
ثالثًا: قناة السويس أصبحت أكثر أهمية للصين، وهنا ندخل إلى الجانب الأخطر اقتصاديًا واستراتيجيًا؛ فالصين دولة تجارية كبرى تعتمد على الطرق البحرية لنقل صادراتها ووارداتها، ومصر تسيطر على قناة السويس، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهنا ياتى التوضيح بان أهمية قناة السويس تضاعفت في ظل الاضطرابات التي أصابت مضيق هرمز بسبب الحرب في المنطقة.
ومع تعرض طرق الطاقة والملاحة في الخليج للخطر، أصبحت قناة السويس طريقًا بديلًا مهمًا لنقل السلع والطاقة بين آسيا وأوروبا، وهذا يعني أن الصين لديها سبب استراتيجي قوي جدًا للحفاظ على علاقة وثيقة مع القاهرة، فمن يملك علاقة قوية مع مصر، يمتلك قناة اتصال مع واحدة من أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية، ومن هنا يمكن فهم السبب الجوهري لنظرة بكين إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها أكثر من مجرد مشروع استثماري؛ انها جزء من شبكة المصالح الصينية العالمية.
رابعًا: الرسالة الرابعة: الصين تدخل من البوابة المصرية إلى ملف غزة، وهنا يظهر العامل الإسرائيلي لمصر التي تمتلك حدودًا مباشرة مع قطاع غزة، ولها تأثير كبير في أي ترتيبات تتعلق بالقطاع، كما لعبت دورًا أساسيًا في المفاوضات والاتصالات المتعلقة بالحرب، وفي الوقت نفسه، تتمسك الصين منذ سنوات بحل الدولتين وتنتقد استمرار الاحتلال والاستيطان، كما تؤكد على ضرورة حماية حقوق الفلسطينيين.
وخلال زيارة ” شي” إلى القاهرة، ظهر تطابق واضح في عدد من المواقف المصرية والصينية بشأن رفض تهجير الفلسطينيين وضرورة معالجة الأزمة الفلسطينية سياسيًا، وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن المشكلة ليست في أن الصين لها موقف مؤيد للفلسطينيين فحسب؛ فالمشكلة الأكبر هي أن الصين أصبحت تبني علاقة أقوى مع مصر، الدولة التي لا يمكن تجاوزها في أي مستقبل لقطاع غزة، وهذا يمنح بكين مساحة أكبر للتأثير في أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لإسرائيل.
خامسًا: يخطئ من يظن ان مصر تريد أن تختار بين أمريكا والصين، فمصر تعي جيدًا حساسية الوقت وتعدد العلاقات، وهذا أهم ما في زيارة ” شي ” بالنسبة إلى القاهرة؛ فالقاهرة لا تقول إنها ستتخلى عن الولايات المتحدة، ولا توجد مؤشرات موثوقة على أن القاهرة تستعد لاستبدال واشنطن ببكين، لكن مصر تفعل شيئًا آخر، وهو – كما اشرنا – تنوع في الخيارات، بمعنى اوضح؛ القاهرة تريد علاقات مع أمريكا، وفي الوقت نفسه علاقات قوية مع: الصين وروسيا وأوروبا والدول العربية.
وهذا يمنحها هامشًا أكبر في السياسة الخارجية؛ فعندما تكون الدولة مرتبطة بقوة واحدة فقط، يصبح الضغط عليها أسهل؛ أما عندما تمتلك عدة شركاء، فيمكنها المناورة بينهم، ومن منظور واشنطن، فإن هذه المعادلة ليست مريحة لأن قوة النفوذ الأمريكي لا تعتمد فقط على حجم الاقتصاد أو السلاح، وإنما تعتمد أيضًا على عدم وجود بدائل استراتيجية منافسة، والصين تعمل الآن على تقديم هذا البديل.
سادسًا: الصين لا تريد أن تكون مجرد “مصنع” لتصدير منتجاتها فقط ، وهذه نقطة مهمة جدًا؛ ففي الماضي القريب، كان الدور الصيني في الشرق الأوسط يُنظر إليه غالبًا من زاوية التجارة والطاقة؛ فالصين تشتري النفط والغاز، وتبيع المنتجات، وتبني الطرق والمصانع والقطارات؛ لكنها في نفس الوقت تعمل علي مدار الساعة لتغير هذه المعادلة بكل الطرق الممكنة، على سبيل المثال لا الحصر، الصين توسطت عام 2023 في استعادة العلاقات بين السعودية وإيران، وقدمت نفسها كقوة قادرة على لعب دور سياسي في المنطقة.
واليوم، يتحدث الرئيس الصيني في القاهرة عن الأمن الإقليمي والملاحة ورفض التدخل الخارجي؛ أي أن الصين تنتقل تدريجيًا من: “شريك اقتصادي” إلى: “شريك اقتصادي وسياسي وأمني”، وهذا التحول تحديدًا هو ما يجعل واشنطن ومعها المحتل اللعين يراقبان التحركات الصينية في الشرق الأوسط بشكل عام، ومع مصر بشكل خاص باهتمام بالغ.
سابعًا: توقيت زيارة ” تشي ” للقاهرة كان رسالة في حد ذاته؛ ربما لو جاءت هذه الزيارة في ظروف طبيعية، لكان من الممكن التعامل معها باعتبارها زيارة اقتصادية ودبلوماسية عادية؛ لكنها جاءت في لحظة مختلفة تمامًا؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة عسكرية مع إيران، ومضيق هرمز تحت ضغط شديد.؛ لذا فأمن الطاقة العالمي مهدد، ودول المنطقة تعيد حساباتها الأمنية، وفي هذا التوقيت بالذات يقول ” تشي ” من القاهرة “إن على دول الشرق الأوسط أن تكون صاحبة القرار في مستقبلها، وأن الصين مستعدة للمساعدة في حماية الملاحة”.
وهنا تصبح الزيارة ذات معنى مختلف تمامًا، فالصين اذا تقول، بينما تنشغل الولايات المتحدة بالحرب، الصين تحاول بناء نفوذها في المنطقة؛ وهذه ليست مجرد منافسة اقتصادية؛ بقدر ما هي منافسة فرض أمر واقع عالمي جديد أكثر اتزانا.
ما سبق جعل واشنطن وتل أبيب تراقبان بقلق تمدد النفوذ الصيني عبر القاهرة، ومع ذلك نكرر السؤال الذي أقلق واشنطن تحديدا، هل بدأت مصر ستبتعد عن أمريكا….؟؟؛
الاجابة: بالطبع لا.. فمصر لا تزال بحاجة إلى العلاقات الأمريكية، خصوصًا في المجالات: الأمنية والعسكرية والاقتصادية؛ لكنها في الوقت نفسه تدرك أن العالم يتغير؛ فلصين موجودة، وروسيا موجودة، وحتي أوروبا موجودة، والقوى الإقليمية نفسها أصبحت أكثر استقلالية في قراراتها، كما تبدو السياسة المصرية أقرب إلى اتساع مساحة الحركة بدلًا من الانتقال من معسكر إلى آخر، وهذا النهج المعتدل ربما يكون أكثر ما يقلق واشنطن وخلفها إسرائيل – وبالطبع أتباعهما – على المدى الطويل.
الخلاصة: لماذا كانت زيارة شي مهمة….؟؟.. لان القضية ليست في الصور والمراسم أو الاتفاقيات الاقتصادية وحدها؛ فالقضية أن الرئيس الصيني جاء إلى القاهرة في لحظة تعاد فيها كتابة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؛ كما انه زار دولة تتحكم في قناة السويس، وتملك حدودًا مع غزة، وتتمتع بعلاقات تاريخية مع واشنطن، وتملك في الوقت نفسه شراكة متصاعدة مع بكين، ومن القاهرة، أرسل شي عدة رسائل: الصين تريد دورًا سياسيًا أكبر؛ الصين تريد حماية مصالحها التجارية وممراتها البحرية؛ الصين تريد شراكة أعمق مع مصر؛ الصين تريد أن تقدم نفسها كبديل عن الهيمنة الأمريكية على المنطقة.
أما مصر، فأرسلت رسالة لا تقل أهمية مفادها ” لن نضع كل أوراقنا في يد قوة واحدة “، ولهذا فإن زيارة شي لمصر قد تكون أهم من مجرد زيارة رئيس دولة كبرى، فهي ربما تكون واحدة من علامات التحول من شرق أوسط تقوده قوة واحدة إلى شرق أوسط تتنافس فيه عدة قوى على النفوذ، والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستدخل الصين الشرق الأوسط….؟؟؛ بل أصبح: إلى أي مدى ستسمح دول المنطقة للصين بأن تكون شريكًا في أمنها…. ؟؟



