المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب.. العالم لا يتجه إلى حرب باردة جديدة؛ بل إلى عصر التجزؤ الكبير

من الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية إلى إعادة توطين الصناعات وتأمين المعادن الحرجة، يعاد تشكيل النظام الدولي على قواعد لا تشبه الحرب الباردة بقدر ما تؤسس لعصر من التجزؤ الانتقائي…
فالتنافس الأمريكي–الصيني لم يعد نزاعا تجاريا؛ بل صراعا على الرقائق والطاقة والاستثمار والعملات وسلاسل الإمداد.. وأوروبا تسعى إلى تقليل انكشافها في القطاعات الحساسة، فيما تتسع مساحة القوى الوسطى التي تريد التعامل مع الجميع دون الارتهان الكامل لأحد…
والتحول الأعمق اقتصادي: فالقوة لم تعد تُمارس بالدبابات وحدها، بل بالعقوبات والتمويل والتكنولوجيا والمعادن والتحكم في نقاط الاختناق.. لذلك تتراجع أولوية الكفاءة المطلقة أمام الأمن والمرونة والسيادة الاقتصادية…
كان اقتصاد العولمة يسأل: من ينتج بأقل كلفة؟
أما اقتصاد الجغرافيا السياسية فيسأل أولا: من نثق به حين تقع الأزمة؟
ولهذا تدفع الدول أكثر كي تعتمد أقل، وتبني سلاسل موازية، لأن الثقة نفسها أصبحت أصلا استراتيجيا…
الحرب الباردة قسمت العالم إلى معسكرين شبه ثابتين؛ أما القادم فأكثر تركيبا: تحالف في التكنولوجيا، وتنافس في التجارة، وتعاون في الطاقة، وخصومة في الأمن…
إنها ليست نهاية العولمة، بل نهاية عولمة الكفاءة وحدها؛ وبداية عولمة تُسعّر الأمن والثقة والمرونة ضمن كلفة كل قرار..HB



