لواء. د. سمير يكتب: رجل الأقدار.. كتاب يوثق مسيرة زعيم «8»

أتابع اليوم فى مقالى، الذى بدأته منذ أسابيع، استعراض أجزاء من كتاب «رجل الأقدار» الذى أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، والذى يوثق مسيرة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أهم اللحظات الفارقة من تاريخ مصر. وقد تناولت فى هذا الكتاب الجزء الخاص بمسيرته العسكرية حتى وصوله إلى قصر الاتحادية رئيسًا للجمهورية، وانتهيت فى مقالى السابق عند توليه منصب نائب مدير إدارة المخابرات الحربية.
وطبقًا لتخطيط القوات المسلحة، صدرت نشرة يناير 2010، التى تم بموجبها تعيين اللواء عبدالفتاح السيسى مديرًا لإدارة المخابرات الحربية، ليستمر فى هذا المنصب حتى أغسطس 2012، عندما تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع. وفور صدور النشرة، كان أول المتصلين به المشير محمد حسين طنطاوى، الذى هاتفه وهو عائد من رئاسة الجمهورية عقب توقيع الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك قرار التعيين، وقال له: «مبروك يا عبدالفتاح… أنت أول واحد اتصلت به بعد خروجى من مقابلة الرئيس مبارك عقب توقيعه النشرة. أنت عارف مكانتك عندي… فاكر يوم تعيينك نائب مدير لما قلت لك شد حيلك، الفترة الجاية صعبة وعليك مهمة ثقيلة.» فرد اللواء عبدالفتاح السيسى قائلاً: «يا فندم، أنا شاكر هذه الثقة، وأطمن حضرتك أنى سأبذل كل جهدى عشان مصر أولًا، وأكون عند حسن ظن حضرتك والقوات المسلحة». فقال له المشير طنطاوي: «أنا عارف إنك ملم بكل شىء بيحصل بحكم شغلك نائب مدير، لكن عايزك بعد يومين تعرض عليّ الموقف داخل القوات المسلحة وخارجها، خاصة الموقف فى سيناء، وأعرف رؤيتك وتحليلك للفترة القادمة.» فأجاب السيسى: «حاضر يا فندم.»
وبعد انتهاء المكالمة، أخذ سجادة الصلاة وصلى ركعتين شكرًا لله على توليه هذا المنصب، الذى يعد ثالث أهم منصب فى القوات المسلحة المصرية بعد القائد العام ورئيس أركان حرب القوات المسلحة. ثم كانت أول مكالمة أجراها إلى والده الحاج سعيد السيسى، وأبلغه بالخبر قائلاً: «يا أبي… ادعى لى، المهمة صعبة، وأنت أول واحد أحب أبلغّه.» ثم اتصل بوالدته، التى لم تتمالك دموعها وهى تسمع خبر تعيينه مديرًا للمخابرات الحربية، فقال لها: «يا أمى، أنا وصلت هنا بتوفيق ربنا ثم بدعواتك… ادعى لى». فردت عليه: «إنت عارف يا ابنى إنى فى كل صلاة بدعى ربنا يوفقك ويحفظك.» ثم كانت المكالمة الثالثة إلى زوجته وأبنائه، وبعدها طلب من السكرتير تجهيز جدول لقاءاته مع قيادات الإدارة.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت بعد ساعة، عندما تلقى اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، الذى هنأه بمنصبه الجديد، وقال له: «خلى بالك… عندك مهمة ثقيلة هذه الأيام، وسيناء مسئوليتك، والأحداث هناك متصاعدة، وأنا عندى ثقة كبيرة فيك.» وكانت هذه المكالمة من أهم المكالمات التى تلقاها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى حياته، إذ شعر منذ تلك اللحظة بحجم المسئولية الملقاة على عاتقه تجاه أمن مصر.
وبعدها تلقى اتصالًا آخر من اللواء عمر سليمان، مدير المخابرات العامة، الذى قال له: «أنا مش متخيل الأيام عدت بسرعة… فاكر أول مرة شفتك فيها؟ كنت ملازم أول ضابط استطلاع كتيبة، وجاى مع المقدم سمير فرج قائد الكتيبة، وكنا فى غرفة العمليات… فاكر يا عبدالفتاح؟» فرد السيسي: «فاكر يا فندم.» فقال اللواء عمر سليمان: «سألت عليك وقتها، وقال لى اللواء سمير فرج: الملازم عبدالفتاح السيسى ضابط استطلاع الكتيبة، ضابط شاطر وذكى». وهكذا بدأ اللواء عبدالفتاح السيسى مشواره الجديد مديرًا لإدارة المخابرات الحربية، ليتولى مسئولية أحد أخطر أجهزة القوات المسلحة المصرية فى واحدة من أدق الفترات التى مرت بها الدولة المصرية.
وبعد أن هدأت مكالمات التهنئة واستقبال الضيوف، جاء اليوم الثالث، فأصدر تعليماته إلى مدير مكتبه بعدم تحويل أى اتصالات تليفونية إليه، إلا إذا كانت من السيد رئيس الجمهورية، أو وزير الدفاع، أو من أى قائد لديه أمر عاجل. ثم جلس لمدة يومين كاملين يضع تصورًا جديدًا لتطوير العمل داخل إدارة المخابرات الحربية. ويقول الرئيس السيسى إنه فى تلك الأيام وضع خلاصة خبراته التى اكتسبها فى جميع المواقع التى شغلها، ليضع شكلًا جديدًا للإدارة، سواء من حيث التنظيم أو أسلوب العمل. وكان من أهم ما تضمنه هذا التطوير إنشاء مركز لإدارة الأزمات، يكون متصلًا مباشرة بمركز إدارة أزمات القوات المسلحة. وقد صدق المشير محمد حسين طنطاوى، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، على هذا التطوير والشكل الجديد لإدارة المخابرات الحربية.
وفى تلك الفترة كانت الأحداث تتصاعد بسرعة، سواء فى سيناء أو فى الشارع المصرى، خاصة بعد انتخابات عام 2010، وتحركات جماعة الإخوان فى الشارع المصرى، وكذلك فى سيناء. ومن أجل ذلك شكّل اللواء عبدالفتاح السيسى خلية عمل تضم مجموعة من الضباط من مختلف أفرع الإدارة الرئيسية، لمتابعة الأحداث المتسارعة التى تجرى فى الشارع المصرى وسيناء. وحدد مقر هذه الخلية فى غرفة الاجتماعات الرئيسية بإدارة المخابرات الحربية، المجاورة مباشرة لمكتبه، لتكون مهمتها متابعة الأحداث أولًا بأول، وإعداد تقرير يومى يُرفع إلى مدير المخابرات الحربية، وإلى الأمانة العامة لوزارة الدفاع.
وهكذا كانت الإدارة فى أعلى درجات الاستعداد، حتى جاءت أحداث 25 يناير 2011 لتنطلق الشرارة التى غيّرت مسار الأحداث فى مصر.


