أمجد جلال يكتب: بعد فضح الموظفة.. هل أصبح تصوير المظلوم جريمة؟

ما حدث في واقعة موظفة التأمينات بالهرم كان يجب أن يكون درسًا واضحًا لكل مؤسسة حكومية: حين يشعر المواطن بالظلم، فإن أول واجب على الدولة هو التحقيق في الشكوى ومحاسبة المخطئ.
لكن ما حدث بعد ذلك يفتح بابًا خطيرًا للتساؤل.
فالهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أعلنت، بعد التحقيق في الواقعة المتداولة، اتخاذ إجراءات تأديبية بحق الموظفين الذين ثبتت مسؤوليتهم، وهو أمر طبيعي ومطلوب. لكنها أعلنت في الوقت نفسه اتخاذ إجراءات قانونية تجاه أي عمليات تصوير داخل مقارها دون إذن مسبق.
وهنا يصبح السؤال: هل المشكلة التي كشفتها الكاميرا هي التي يجب مواجهتها، أم الكاميرا التي كشفت المشكلة؟
المواطن لم يختر التصوير عبثًا
في كثير من الوقائع، لم تعد الكاميرا مجرد وسيلة لنشر المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت في نظر المواطن وسيلة لحماية نفسه وتوثيق ما يحدث معه، خصوصًا عندما يشعر بأن شكواه قد تضيع بين المكاتب أو أن روايته ستواجه بإنكار.
والواقعة نفسها تؤكد هذه الحقيقة.
فلو لم يتم توثيق ما حدث، هل كان الرأي العام سيعرف؟ وهل كانت الواقعة ستصل بهذه السرعة إلى التحقيق واتخاذ إجراءات تأديبية بحق المسؤولين عنها؟
من حق أي مؤسسة أن تنظم عملية التصوير داخل مقارها، وأن تحمي خصوصية المواطنين وبياناتهم وسير العمل. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين تنظيم التصوير وبين تحويل المواطن الذي يوثق واقعة يشعر فيها بالظلم إلى شخص يواجه التهديد بالإجراءات القانونية.
الخطر في الرسالة التي تصل إلى الناس
الرسالة التي قد يفهمها المواطن من هذا القرار بسيطة ومقلقة:
إذا تعرضت لمعاملة سيئة، فلا تصور.
وهنا تكمن المشكلة.
لأن المواطن الذي يقف أمام موظف عام ليس طرفًا قويًا في المعادلة. وفي كثير من الأحيان لا يملك سوى شكوى قد لا يعرف أين ينتهي مصيرها، أو هاتف يستطيع من خلاله توثيق ما حدث.
فبدلًا من أن تسأل المؤسسة: لماذا اضطر المواطن إلى تصوير الواقعة؟
يبدو أن السؤال أصبح: كيف نمنع المواطن من التصوير؟
وهذا في رأيي هو الاتجاه الخاطئ.
المطلوب حماية الموظف والمواطن معًا
نعم، لا يجوز أن تتحول المؤسسات الحكومية إلى أماكن مفتوحة للتصوير العشوائي، ولا يجوز انتهاك خصوصية المواطنين أو تصوير بياناتهم ومستنداتهم.
لكن الحل ليس في تخويف الجميع من الكاميرا.
الحل الحقيقي هو وضع قواعد واضحة:
منع تصوير بيانات المواطنين والمستندات الشخصية.
حماية الموظفين من التشهير أو التلاعب بالمقاطع.
وفي المقابل، ضمان حق المواطن في توثيق أي واقعة تمس كرامته أو حقوقه، وفق ضوابط واضحة.
والأهم، توفير كاميرات مراقبة وأنظمة شكاوى شفافة وسريعة، بحيث لا يشعر المواطن أصلًا بأن هاتفه هو الوسيلة الوحيدة لإثبات حقه.
الكاميرا ليست أصل المشكلة
المشكلة الحقيقية ليست في المواطن الذي أخرج هاتفه.
المشكلة في الواقعة التي جعلته يشعر بأنه يحتاج إلى إخراج هاتفه.
وإذا كان الفيديو قد كشف تجاوزًا وأدى إلى محاسبة المخطئين، فإن الرد الصحيح ليس مطاردة من وثّق الواقعة، بل أن تسأل المؤسسات نفسها: كيف نضمن ألا تتكرر؟
لأن دولة قوية لا تخاف من الكاميرا.
ودولة تحترم مواطنيها لا تجعلهم يخافون من توثيق ما يحدث لهم.
فلا تحولوا الكاميرا من أداة كشفت الخطأ إلى متهم، ولا تجعلوا المواطن يدفع ثمن أن الحقيقة ظهرت بالصوت والصورة.



