اخبار عاجلهمقالاتمقالات كتاب الموقع

المصريون في الخارج.. كنز مصر الذي لا تريد استخراجه.. بقلم: أمجد جلال

هناك ثروات في مصر نراها كل يوم ولا نعرف قيمتها الحقيقية.

نرى قناة السويس فنحسب عائداتها، ونرى السياحة فنحسب أعداد السائحين، ونرى الغاز والبترول والأراضي ونحسب ما يمكن أن تنتجه.

لكن هناك ثروة أخرى تتحرك حول العالم، تعمل وتتعلم وتبني علاقات وتكتسب خبرات، ثم ترسل جزءًا من دخلها إلى مصر.

إنهم المصريون في الخارج.

والأرقام وحدها تكفي لكي ندرك أننا لا نتحدث عن جالية عادية، وإنما عن قوة اقتصادية هائلة.

فبحسب البنك المركزي المصري، سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 نحو 41.5 مليار دولار، وهو مستوى قياسي، بعدما سجل ديسمبر وحده نحو 4 مليارات دولار، وهو أيضًا أعلى مستوى شهري وفق بيانات البنك المركزي.

والأهم أن هذه القفزة جاءت بعد أن بلغت التحويلات خلال السنة المالية 2024/2025 نحو 36.5 مليار دولار، بزيادة قدرها 66.2% عن السنة المالية السابقة.

دعونا نتوقف قليلًا أمام الرقم.

41.5 مليار دولار.

هذه ليست مجرد تحويلات مالية.

خلف كل دولار منها قصة طبيب يعمل لساعات طويلة، ومهندس يشارك في مشروع، ومدرس يبني مستقبل أبنائه، وفني وحرفي وعامل ورجل أعمال وموظف يعيش بعيدًا عن بيته وأسرته.

لكن المفارقة أن مصر تنظر إلى هذه القوة غالبًا من زاوية واحدة: كم دولارًا سيعود إلى البلاد؟

وهنا أعتقد أننا نرتكب خطأ استراتيجيًا.

لأن المصري في الخارج لا يملك المال فقط.

إنه يملك الخبرة.

ويملك المعرفة.

ويملك العلاقات.

ويعرف كيف تعمل الأسواق التي يعيش فيها، وكيف تُدار الشركات، وكيف تُصنع المنتجات، وكيف تُسوّق الخدمات، وكيف تُبنى شبكات الأعمال.

وهذه أشياء لا يمكن قياسها في كشف حساب بنكي.

الهند لم تنظر إلى مواطنيها بالخارج باعتبارهم تحويلات فقط

خذ الهند مثلًا.

البنك الدولي قدّر تحويلات الهنود إلى بلادهم بنحو 129 مليار دولار في 2024، لتتصدر الهند دول العالم في استقبال التحويلات.

لكن القوة الحقيقية للجالية الهندية لا تختصر في الأموال.

الهندي الذي يعمل في وادي السيليكون أو لندن أو سنغافورة لا يمثل مجرد مصدر دخل لعائلته في الهند؛ إنه جزء من شبكة عالمية من المعرفة والاستثمار والعلاقات.

وهنا الدرس الذي يجب أن نتعلمه:

الدول الذكية لا تسأل جالياتها فقط: ماذا سترسلون إلينا؟

بل تسأل:

ماذا يمكن أن نبني معًا؟

الفلبين قدمت نموذجًا مختلفًا

الفلبين أيضًا أدركت مبكرًا أن الهجرة للعمل يمكن أن تكون جزءًا من سياسة اقتصادية متكاملة.

ويشير البنك الدولي إلى أن الفلبين طورت على مدى عقود منظومة لدعم العمال في الخارج، من خلال اتفاقيات عمل ثنائية وتدريب ودعم ومؤسسات متخصصة، حتى أصبح العمل بالخارج جزءًا واضحًا من استراتيجيتها الاقتصادية.

المسألة هنا ليست أن مصر يجب أن تنسخ الهند أو الفلبين.

ولكن السؤال:

لماذا لا يكون لدينا نموذج مصري خاص؟

نموذج يجعل المصري في الخارج جزءًا من الاقتصاد المصري حتى لو لم يعد إلى مصر بشكل دائم.

المكاتب التجارية.. الذراع التي لم نستخدمها كما يجب

وهنا تظهر أداة موجودة بالفعل، لكنها في رأيي تحتاج إلى إعادة تعريف لدورها: المكاتب التجارية المصرية في الخارج.

هذه المكاتب يمكن أن تكون أكثر من مجرد جهة تتابع الأسواق وتعد التقارير وتبحث في أرقام الصادرات والواردات.

يمكن أن تتحول إلى ذراع استراتيجية لربط مصر بثروتها البشرية المنتشرة في العالم.

تخيل مكتبًا تجاريًا مصريًا في برلين يعرف المصريين العاملين في التكنولوجيا والهندسة والصناعة هناك، ويعرف الشركات المصرية التي تبحث عن أسواق جديدة، فيبدأ في بناء جسور بين الطرفين.

وتخيل مكتبًا في دبي لا يكتفي بمتابعة حركة التجارة، وإنما ينشئ شبكة من رجال الأعمال المصريين، ويجمعهم مع أصحاب المشروعات في مصر، ويبحث معهم عن فرص استثمار وشراكات حقيقية.

وتخيل مكتبًا في نيويورك يتعامل مع المصريين المتخصصين في التكنولوجيا والتمويل والطب والبحث العلمي باعتبارهم قوة معرفية واستثمارية يمكن أن تضيف للاقتصاد المصري.

هنا يتحول المكتب التجاري من مكتب إداري إلى شبكة اقتصادية مصرية حول العالم.

لكن السؤال المهم: لماذا لم يحدث هذا بالشكل الكافي حتى الآن؟

الإجابة ليست بالضرورة أن المشكلة في الأشخاص، وإنما في طبيعة الدور نفسه؛ فالمكاتب تحتاج إلى كوادر متخصصة، ومساحة أكبر من التفويض، وأدوات رقمية حديثة، وقدرة على التحرك بعيدًا عن البيروقراطية التقليدية.

نحن لا نحتاج إلى مكاتب أكثر.

نحتاج إلى مكاتب أكثر تأثيرًا.

مكاتب تعرف المصريين الموجودين في نطاقها، وتعرف تخصصاتهم، وتعرف الشركات التي يمكن أن تتعاون معهم، وتعرف احتياجات السوق المصري.

وقتها يمكن أن يصبح المصري في الخارج حلقة وصل بين سوقين بدلًا من أن يكون مجرد مغترب يرسل أمواله إلى أسرته.

ماذا لو تغيرت المعادلة؟

تخيل أن لدينا منصة وطنية حقيقية، وليست مجرد قاعدة بيانات، تضم المصريين في الخارج الراغبين في التعاون مع وطنهم.

طبيب مصري في ألمانيا يمكنه تدريب أطباء مصريين عن بُعد.

مهندس في الخليج يمكنه نقل خبرة إلى شركة مصرية.

متخصص في الذكاء الاصطناعي في أمريكا يمكنه التعاون مع جامعة مصرية.

رجل أعمال في أوروبا يمكنه فتح باب لشركة مصرية في سوق جديد.

مصمم أو إعلامي أو خبير تسويق يمكنه مساعدة مشروع مصري على الوصول إلى جمهور خارج الحدود.

هنا تبدأ الثروة الحقيقية في الظهور.

لأننا لم نعد نتعامل مع المصري في الخارج باعتباره محفظة مالية.

بل باعتباره شريكًا في التنمية.

الـ41.5 مليار دولار ليست النهاية

بل ربما تكون البداية.

فلو استطاعت مصر أن تحول جزءًا صغيرًا من هذه القوة المالية إلى استثمارات إنتاجية، وأن تربطها بالخبرات والأسواق الخارجية، فإن العائد يمكن أن يكون أكبر بكثير من مجرد تدفق الأموال إلى الداخل.

تخيل مشروعًا مصريًا بدأ برأس مال من مصريين بالخارج، واستفاد من خبراتهم، ثم صدّر إلى الدولة التي يعيشون فيها.

هنا يحدث شيء مهم جدًا:

الأموال تعود إلى مصر، والخبرة تعود معها، والسوق الخارجية تأتي معها.

وهذا هو الفرق بين استقبال التحويلات واستثمار قوة الاغتراب.

المشكلة ليست في المصريين

المصري في الخارج أثبت أنه يستطيع النجاح.

والـ41.5 مليار دولار في عام واحد ليست رقمًا صغيرًا.

المشكلة إذن ليست في قدرة المصريين.

المشكلة في السؤال الذي نطرحه عليهم.

إذا كان السؤال:

“كم تستطيع أن ترسل؟”

فالإجابة ستكون تحويلات.

أما إذا أصبح السؤال:

“ماذا تستطيع أن تبني مع مصر؟”

فالإجابة قد تكون مصانع وشركات وتكنولوجيا وأسواقًا جديدة وفرص عمل.

وهنا تحديدًا أرى أن مصر أمام فرصة لا ينبغي أن تضيع.

كنز لا يحتاج إلى استخراج

نحن معتادون على فكرة استخراج الثروات من الأرض.

لكن ثروة المصريين في الخارج لا تحتاج إلى حفارات ولا مناجم.

هي موجودة بالفعل.

تحتاج فقط إلى أن نعرف كيف نصل إليها.

مصر لا تحتاج بالضرورة إلى إعادة كل المصريين إلى الوطن.

بل تحتاج إلى أن تجعل الوطن حاضرًا في مشاريعهم وأفكارهم وخبراتهم، حتى وهم يعيشون خارجه.

فالمصري الذي قضى عشرين عامًا في دولة متقدمة ليس مجرد مغترب.

إنه يحمل عشرين عامًا من الخبرة.

والمصري الذي بنى شركة في الخارج لا يحمل فقط أمواله.

إنه يحمل تجربة يمكن أن تفيد عشرات الشركات هنا.

والمصري الذي أصبح خبيرًا في مجال نادر لا يمثل فردًا واحدًا.

إنه يمثل مدرسة كاملة من المعرفة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:

كم دولارًا أرسل المصريون في الخارج إلى مصر؟

السؤال الأخطر والأهم هو:

كم فرصة ضاعت لأننا لم نعرف كيف نستفيد من المصريين في الخارج؟

فقد تكون مصر أمام واحد من أكبر كنوزها البشرية في العالم.

والكنز موجود بالفعل.

لكننا ما زلنا نحسب قيمة الذهب الذي يخرج منه، بدلًا من أن نسأل أنفسنا: كيف نستخرج كل ما بداخله؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى