صبحي شبانة يكتب: بعد إجراءات «التضامن».. هل تبدأ «الخارجية» إعادة بناء اتحاد المصريين بالخارج؟

لم يعد ملف الاتحاد العام للمصريين بالخارج بحاجة إلى إعادة ما سبق كشفه من وقائع ووثائق، أو إلى العودة مجددًا لتفاصيل المخالفات التي انتهت إلى قرار وزارة التضامن الاجتماعي ببطلان انعقاد الجمعية العمومية وإلغاء ما ترتب عليها من قرارات، فقد تجاوزت القضية الآن مرحلة كشف الخلل، وانتقلت إلى السؤال الأهم: كيف تستكمل الدولة تصحيح مسار هذا الكيان الوطني؟ ومن يدير المرحلة المقبلة؟ وأين ينبغي أن يكون موقع الاتحاد ودوره داخل منظومة الدولة؟، فالاتحاد العام للمصريين بالخارج ليس كيانًا عاديًا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد جمعية أهلية أو إحدى منظمات المجتمع المدني، فهو أكبر من ذلك بكثير، فلم ينشأ الاتحاد استجابة لرغبة عدد من الأشخاص أو بمبادرة من مجموعة تسعى إلى تأسيس كيان خاص بها، وإنما جاء تأسيسه بإرادة رئاسية وقرار جمهوري، ليكون مظلة وطنية جامعة للمصريين المقيمين خارج البلاد، وجسرًا يربطهم بوطنهم، ويعبر عن مصالحهم، ويسهم في توظيف خبراتهم وقدراتهم وعلاقاتهم في خدمة مصر، كما تعاقب على قيادة الاتحاد عدد من الوزراء والشخصيات العامة، بما يؤكد أن الاتحاد أُنشئ منذ البداية ليؤدي دورًا وطنيًا يتجاوز حدود أي تنظيم أهلي تقليدي.
إن معالجة الأزمة الراهنة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود إبطال الجمعية العمومية، مهما كانت أهمية القرار، لأن تصحيح النتيجة دون معالجة الأسباب التي أدت إليها قد يترك الأزمة قائمة في جوهرها، وتطرح المذكرة القانونية المقدمة إلى وزيرة التضامن الاجتماعي رؤية واضحة لاستكمال الأثر القانوني للقرار، تقوم على ضرورة حل مجلس إدارة الاتحاد وتعيين مجلس أو لجنة مؤقتة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية، وتصحيح الأوضاع القانونية والإدارية، ومراجعة الفروع والعضوية والسجلات ومتطلبات الحوكمة، تمهيدًا للدعوة إلى جمعية عمومية جديدة وانتخابات صحيحة وفقًا للقانون، وتستند المذكرة إلى أن قرار الوزارة أثبت وجود مخالفات قانونية وإدارية جسيمة، شملت إنشاء فروع خارج مصر دون الحصول على التراخيص القانونية اللازمة، وعدم صحة إجراءات الدعوة إلى الجمعية العمومية، فضلًا عن مخالفات تتعلق بإدارة المجلس والسجلات واللوائح الداخلية ومتطلبات الحوكمة، وبحسب المذكرة فإن مجلس الإدارة هو المسؤول قانونًا عن إدارة الاتحاد وسلامة إجراءاته، وبالتالي لا يمكن فصل استمرار المجلس عن المخالفات التي ثبت وقوعها في ظل إدارته ولذلك فإن الاكتفاء بإبطال الجمعية العمومية مع بقاء مجلس الإدارة نفسه في ممارسة اختصاصاته لا يحقق، وفق الرأي القانوني الوارد بالمذكرة، الغاية الكاملة من قرار الوزارة، لأن مبدأ المشروعية يقتضي معالجة أسباب المخالفة إلى جانب إزالة آثارها، وتؤكد المذكرة أن حل مجلس الإدارة لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً عقابيًا أو منفصلًا عن قرار البطلان، وإنما باعتباره خطوة لازمة لاستكمال تصحيح المسار، ومنع استمرار أسباب المخالفة، وإتاحة الفرصة لإدارة انتقالية محايدة تعيد بناء الاتحاد على أسس سليمة قبل إجراء انتخابات جديدة.
وفي هذا السياق، رفع عدد من قيادات الاتحاد وأعضاء مجلس النواب الممثلين للمصريين بالخارج مذكرات إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ودولة رئيس مجلس الوزراء، ووزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، ووزيرة التضامن الاجتماعي، طالبوا فيها باستكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لتصحيح أوضاع الاتحاد وضمان عدم استمرار الأزمة أو تحولها إلى فراغ مؤسسي، وتكتسب هذه المذكرات أهميتها من أنها لا تطالب بإنهاء الاتحاد أو تجاوز دوره، بل على العكس، تؤكد ضرورة إنقاذه واستعادته إلى الهدف الذي أُنشئ من أجله، فالقضية ليست تغيير أشخاص أو إجراء انتخابات جديدة فقط، وإنما تتعلق بكيان يفترض أن يمثل ملايين المصريين في الخارج، وأن يكون جزءًا من منظومة الدولة في التواصل معهم والاستفادة من قدراتهم وخبراتهم. لكن استكمال التصحيح القانوني، رغم ضرورته، لن يكون كافيًا وحده إذا لم يتبعه تصحيح لمسار الاتحاد ومكانه ودوره الطبيعي داخل منظومة الدولة.
ولهذا تبدو إعادة تبعية الاتحاد مباشرة إلى وزارة الخارجية والتعاون الدولي والهجرة وشؤون المصريين بالخارج ضرورة تتعلق بمستقبله ودوره، وليست مجرد تغيير إداري، فوزارة الخارجية هي الجهة المعنية أصلًا بالتواصل مع المصريين في الخارج، ورعاية مصالحهم، وإدارة العلاقة الرسمية بين الدولة والجاليات المصرية المنتشرة في مختلف دول العالم. ومن ثم فإن وجود الاتحاد تحت مظلتها سيعيد الربط بين الكيان الذي يمثل المصريين بالخارج والوزارة المختصة بشؤونهم، ولا يعني ذلك تحويل الاتحاد إلى جهاز حكومي أو مصادرة استقلاله، بل تنظيم علاقة واضحة تضمن استقلاله في أداء دوره وتمثيله لأعضائه، وفي الوقت نفسه تمنحه القدرة على العمل في إطار الدولة وبرامجها وسياساتها تجاه المصريين بالخارج، وهناك نماذج وطنية واضحة تؤكد أهمية ارتباط الكيانات الجماهيرية بالوزارات المختصة بطبيعة عملها، وفي مقدمتها الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذي يرتبط مباشرة بوزارة العمل باعتبارها الوزارة المعنية بشؤون العمال، كما تخضع الاتحادات الرياضية لوزارة الشباب والرياضة، والأمثلة على ذلك كثيرة، والمنطق نفسه يفرض أن يكون للمصريين بالخارج كيانهم الوطني الذي يرتبط مباشرة بالوزارة المسؤولة عن ملفهم.
إن الإبقاء على الاتحاد في إطار لا يتناسب مع طبيعته قد يحد من قدرته على تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها، بينما يمكن لإعادة تنظيم تبعيته أن تمنحه فرصة حقيقية لاستعادة دوره، وبناء قاعدة بيانات واسعة، وتطوير آليات التمثيل، وربط الجاليات المصرية ببرامج الدولة، والاستفادة من الكفاءات والاستثمارات والخبرات المصرية في الخارج.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قرارين متكاملين، الأول: استكمال تصحيح الوضع القانوني من خلال حل مجلس الإدارة، وفقًا لما تطالب به المذكرة القانونية، وتشكيل إدارة انتقالية تتولى إعادة تنظيم الاتحاد وصولًا إلى انتخابات جديدة سليمة، والثاني: إعادة النظر في تبعية الاتحاد، بحيث يتبع مباشرة وزارة الخارجية والتعاون الدولي والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، بما يتناسب مع طبيعته الوطنية والهدف الذي أُنشئ من أجله.
لكن هناك خطرًا آخر لا يقل أهمية عن استمرار الأزمة الحالية، وهو أن يؤدي الإبقاء على الاتحاد بصورته القديمة، ومن دون إعادة هيكلة حقيقية بعناصر جديدة تمتلك فكرًا مختلفًا واستراتيجية حديثة للتعامل مع المصريين في الخارج، إلى فقدان ما تبقى من ثقة كثير من أبناء الجاليات في قدرته على تمثيلهم.
وعندما يفقد المصريون في الخارج ثقتهم في الكيان الجامع، فمن الطبيعي أن تبدأ في الظهور كيانات ومسارات موازية، كل منها يسعى إلى ملء الفراغ أو تقديم نفسه ممثلًا لفئة أو جالية أو مجموعة من المصريين في الخارج. وقد يبدو هذا في ظاهره تنوعًا في المبادرات، لكنه في حقيقته قد يؤدي إلى تشتت وتفتت الجهود وتعدد مراكز التمثيل، ويضعف قدرة الدولة على التعامل مع مظلة وطنية واحدة جامعة.
والخطر الأكبر أن يتحول غياب الثقة إلى قناعة لدى المصريين في الخارج بأن الاتحاد لم يعد قادرًا على التعبير عنهم، فتتكرس الانقسامات وتتشكل كيانات بديلة، بما يفرغ فكرة الاتحاد الواحد من مضمونها، وعندها لن تكون المشكلة في وجود أكثر من كيان، بل في ضياع الهدف الأساسي الذي أُنشئ الاتحاد من أجله: ضم المصريين في الخارج تحت مظلة وطنية واحدة تحظى بثقة أبنائها، وتعمل في إطار الدولة وتحت مظلتها، وتحول تنوع الجاليات المصرية حول العالم إلى مصدر قوة لمصر، لا إلى مسارات متوازية ومتفرقة.
لقد اتخذت الدولة خطوة مهمة عندما قالت وزارة التضامن كلمتها في المخالفات التي شابت الجمعية العمومية، لكن تصحيح المسار لا ينبغي أن يتوقف عند هذا الحد، فالمطلوب الآن ليس إعادة تدوير مجلس إدارة فقد شرعيته وأهليته وقدرته على أداء رسالته، وأمضى ستة عشر عامًا دون أن يقدم للمصريين بالخارج ما يحقق الأهداف التي أُنشئ الاتحاد من أجلها، ثم لا يزال يتشبث بالبقاء رغم ما انتهى إليه قرار وزارة التضامن من مخالفات أفضت إلى بطلان الجمعية العمومية.
المطلوب قطيعة حقيقية مع هذا النهج، وإعادة بناء الاتحاد بعناصر جديدة، وفكر جديد، واستراتيجية جديدة للتعامل مع المصريين في الخارج، ومجلس إدارة قادر على تمثيلهم تمثيلًا حقيقيًا، والعمل من أجل مصالحهم، والتكامل مع الدولة في خدمة الوطن، فالاتحاد العام للمصريين بالخارج لا يحتاج فقط إلى انتخابات جديدة، بل إلى استعادة رسالته، وتجديد أدواته، واستعادة ثقة المصريين في الخارج، ووضعه في مكانه الطبيعي داخل الدولة المصرية، حتى يظل مظلتهم الوطنية الواحدة، لا مجرد كيان آخر يضاف إلى قائمة الكيانات.



