المستشار القانوني / سامي الجمل يكتب: وهم التحكم وسكينة التسليم

بإخلاص شديد أكبر وهم عاش فيه الإنسان على نحوِ أكيد أن يظن أنه يمسك بمجريات الأمور ويدبرها كما يريد ، وأقسى صدمة في رحلة وعيه أن يكتشف بعد عناء شديد أنه كان طول الوقت يحاول التحكم فيما لا يملكه ولو بقدر الفتيل ، فالنتيجة ليست بيده وقلوب الناس ليست ملكه إن ظن غير ذلك بعقله الضئيل ، كما أن الفرص غير مضمونة والمستقبل مغلف بغيب لا يراه إلا الله تعالى العليم الخبير .
ونحن نتعب ونرهق أنفسنا تعباً مستفيض ، لأننا نتوهم أن لنا على حياتنا سلطاناً بلا حدود أو تقييد فنحسب أننا نملك نجاحنا ورزقنا وظروفنا على نحوٍ أكيد ، فإذا صارت الأمور عكس ما نشتهي ونريد حزنا وغضبنا وإنكسرنا إنكساراً شديد ، وكأن شئ أخذ منا عنوة بلا حق أو تبرير ، والحقيقة أن هذا الشئ لم يكن يوماً في نطاق قدرتنا ولا تحت سلطاننا الضئيل ، وليس أدل على ذلك من قول الله تعالى العلي العظيم لنبيه الكريم في محكم التنزيل :
( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ ) جزء من الآية 188 من سورة الأعراف .
( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ ) جزء من الآية 49 من سورة يونس .
ومؤدى ذلك بلا جدال أو تأويل أنه إذا كان سيد الخلق أجمعين لا يملك لنفسه نفعاً أو ضراً إلا ما شاء الله العلي القدير ، فكل ما تتعب نفسك في حسابه إذاً وتحاول إمساك خيوطه ليل نهار هو خارج دائرة تحكمك على نحوٍ مبين ، ولذا قد تجد المستقبل في عينك مخيفاً مظلماً كليل بهيم لأنك موهوم بأنك قادر على التحكم في كل تفاصيله الصغير منها والكبير وخائف من أن تجئ النتائج على غير ما رسمت وتمنيت من تدبير .
ولا تقف التأملات عند هذا الحد حيث علينا أن نتفكر في أن لفظي النفع والضر قد اجتمعا في كتاب الله تعالى المجيد في ثمانية مواضع لا تزيد ، تتفرق في السور ولكنها تتشابك تشابكاً فريد ، فإذا رتلتها بجوار بعضها البعض إتضحت الصورة وضوحاً مبين بأن النفع والضر بيد الله وحده العلي القدير ، وأن كل من سواه لا يملك منهما شيئاً ولو بقدر قليل ، فتجد الآيات تنفي هذا الملك عن كل ما يُعبد من دون الله من أولياء وأوثان وتماثيل :
( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) الآية 76 من سورة المائدة .
ثم في آية أخرى :
( قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا ) . جزء من الآية 16 من سورة الرعد .
ثم في آية أخرى :
( أَفَلَا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ) الآية 89 من سورة طه .
ثم في آية أخرى :
( وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نشورا ) الآية 3 من سورة الفرقان .
فإذا كان من إتخذهم الناس أولياء وآلهة من دون الله لا يملكون لأنفسهم قبل غيرهم ضراً ولا نفعاً على نحوٍ أكيد ، فما بالك ببشر مثلك ثم تجد الآيات تُسقط هذا الوهم عن الناس فيما بينهم يوم يقوم الحساب ويكشف الغطاء عن البصر الحديد :
( فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا ) جزء من الآية 42 من سورة سبأ .
ثم تجئ آية جامعة مانعة تغلق الباب على كل وهم وتبرير ، بأنه إذا أراد الله بك أمراً فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا مجير :
( قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) جزء من الآية 11 من سورة الفتح
ومن ثم فالآيات الثماني ترسم لوحة واحدة لا تتبدل ولا تحيد ، فالرسول الكريم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، والأولياء والآلهة المزعومة لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعاً ولا ضراً ، والناس لا يملك بعضهم لبعض نفعاً ولا ضراً ، ولا أحد يملك من الله شيئاً إن أراد بعباده ضراً أو نفعاً ، وهذه سنة الله تعالى التي ليس لها تبديل أو تحويل .
بعبارة أخرى القاعدة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء بلا حاجة الى زيادة في التفسير أو التدليل ، وهي أنه لا أحد من البشر بيده رزقك ولا بيده أمانك مهما علا شأنه وإرتفع مقامه الرفيع ، ولا أنت تملك لنفسك شيئاً إلا بما شاء الله العلي القدير .
ويزداد الأمر وضوحاً حين نتفكر مرة أخرى في آية جامعة من سورة الروم ، تلخص حياة الإنسان كلها من بدايتها الى النهاية في أربع كلمات لا تزيد ، خلق ثم رزق ثم موت ثم إحياء من جديد ، ثم تسأل سؤالاً يهدم كل وهم ويسقط كل شريك :
( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) الآية 40 من سورة الروم .
ولا تقف المعجزات عند هذا الحد حيث لو رتلت هذه الآية بجوار آية سورة الفرقان لوجدت تشابكاً فريد ، فآية الفرقان نفت عن الآلهة المزعومة أنها تخلق شيئاً ، أو تملك موتاً أو حياة أو نشوراً على نحوٍ أكيد ، وآية الروم أثبتت ذات الأفعال لله تعالى وحده العلي القدير ، الخلق والموت والإحياء وزادت عليها الرزق الذي يتنافس الناس عليه ليل نهار بلا توقف أو تفكير ، وهو دليل تنامي المعنى في القرآن الكريم من موضع الى موضع وأن الأمر ليس مجرد تكرار أو توكيد ، بعبارة أخرى ما نٌفي عن غير الله هناك أثبت لله وحده هنا بلا جدال أو تأويل ، فالذي خلقك من العدم هو الذي يرزقك ، والذي يرزقك هو الذي يميتك ويحييك ، فكيف تخاف على رزقك من بشر لم يخلقك ولا يملك أن يميتك أو يحييك ؟! ولماذا يتعلق قلبك بمن لا يفعل من ذلك كله من شيء ولو قليل ؟! ، هذا السؤال الذي طرحته الآية ( هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِن شَيْءٍ ) ، يبقى قائماً الى يوم الدين ، ولا إجابة له إلا أن الأمر كله بيد الله الواحد الأحد الرزاق الكريم .
وهذا المعنى إذا استقر في القلب واستوطنه إستيطاناً أكيد كسر خوفك من الناس وكسر تعلقك الزائد بالأسباب وكسر وهم إمساكك بزمام الأمور وأنت العبد الفقير ، وردك الى الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو التنزيل الحكيم .
ولا يظن ظان أن هذه دعوة للكسل والتواكل والقعود والتقصير ، بل هي دعوة لأن تسعى وتجتهد جهد المستطيع ، من غير أن تتحطم إذا إختلفت النتيجة عما رجوت وتريد ، وأن تعمل دون أن تبني قيمتك على نجاح قد يأتي وقد يغيب ، وأن تحب دون أن تربط أمانك بوجود أحدٍ من القريب أو البعيد .
ولا سيما أن كل ما سلف لأن الخوف على الرزق هو أكثر ما يخيف الناس من الناس على نحوٍ أكيد ، فقد بين لنا القرآن الكريم أن هذا الخوف إذا تمكن من القلب قد يدفع الإنسان الى أشنع الأفعال وأفظع التدبير ، حتى يقتل فلذة كبده خشية الفقر والحاجة والعيش العسير فجاء الجواب الإلهي في موضعين من كتاب الله تعالى المجيد ، يتشابهان في اللفظ ويختلفان في الترتيب على نحوٍ عجيب :
( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) جزء من الآية 151 من سورة الأنعام .
ثم في آية أخرى :
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةً إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْنًا كَبِيرًا ( الآية 31 من سورة الإسراء) .
وهنا يتجلى ذات الميزان الدقيق ، حيث سبق وأن تفكر الذين من قبلنا في سورة الأنعام والإسراء ، في قوله تعالى ( مَنْ إِمْلَاقٍ ) أي أن الفقر واقع حاضر بالآباء يعيشونه في الحال لا في المستقبل البعيد ، فقدم رزق الآباء ( نَرْزُقُكُمْ ) لأنهم المحتاجون الآن والخائفون على قوت يومهم الضئيل ، وفي سورة الإسراء قال سبحانه ( خَشْيَةً إِمْلَاقٍ ) أي أن الفقر لم يقع بعد ولكنه خوف من غد قد يأتي وقد يغيب ، فقدم رزق الأبناء بقوله تعالى العليم ( نَرْزُقُهُمْ ) لأن الخوف منصب عليهم وعلى ما سيحتاجونه من رزق في المستقبل القريب ، بعبارة أخرى إن القرآن الكريم يعالج القلب من الجهة التي يخاف منها على نحوٍ مبين ، فإن كان الخوف على النفس طمأنه على رزق نفسه أولاً ، وإن كان الخوف على الولد طمأنه على رزق ولده أولاً ، ثم جمع الإثنين معاً في كفالة الرزاق الكريم .
بقلم : المستشار القانوني / سامي الجمل




