أخبار مصر

المتحف المصري الكبير وحدائق الأهرام.. من جاور السعيد في أحيان كثيرة لا يسعد


كتب: أمجد جلال

على بعد أمتار قليلة من واحد من أعظم متاحف العالم، يقف حيّ “حدائق الأهرام” شاهدًا على مفارقة مصرية خالصة: عظمة تحفة حضارية تُبهر الزوار من الخارج، وإهمال يومي يرهق السكان من الداخل. وكأن القدر كتب على المصري أن يعيش دائمًا بين الجمال والعشوائية، بين التاريخ والنسيان.

المتحف.. واجهة مصر أمام العالم

المتحف المصري الكبير، الذي انتظره العالم لأكثر من عقدين، ليس مجرد مبنى ضخم على أطراف الجيزة، بل رسالة من مصر الحديثة إلى البشرية كلها: “نحن أصحاب أول حضارة، وما زلنا قادرين على الإبهار”.
واجهته المهيبة المصنوعة من الحجارة الوردية، وتصميمه المعماري الحديث الذي يطل على الأهرامات، يجعلان منه رمزًا للحلم، والقدرة، والانضباط.
كل حجر فيه يروي حكاية دقة وإبداع، وكل خطوة في رحلته كانت تذكيرًا بأن المصري يستطيع حين يُمنح الفرصة.

لكن الجار… في حالٍ لا يُحسد عليها

ورغم أن المتحف يجاور حيًّا اسمه يوحي بالجمال — “حدائق الأهرام” — إلا أن الواقع هناك لا يمت بصلة للاسم. شوارع رئيسية بلا رصف، أكوام قمامة على نواصي الطرق، إشغالات وتعديات، عمارات مخالفة، وأسلاك كهرباء متشابكة فوق رؤوس المارة.
الحي الذي كان يُفترض أن يكون “الحديقة الخلفية للمتحف”، أصبح اليوم منطقة تعاني من الإهمال الإداري، ومأوى لعشوائية تهدد القيمة الجمالية والتاريخية للمكان كله.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فالسكان تحمّلوا لسنوات طويلة مشقة الحفر والبناء المستمر لمرافق المتحف، والإغلاقات المتكررة للشوارع، والتحويلات المرورية التي جعلت الوصول إلى بيوتهم مغامرة يومية.
لكن بعد اكتمال الحلم وملامسة العالم لانبهار المتحف، تُرك الحي المجاور فريسة للإهمال، كأن دوره انتهى بانتهاء البناء، وكأن شكر الدولة له أن تتركه كما هو… أو أسوأ.

اللوتس الذي ذبل على السور

رمزٌ صغير لكنه معبّر: كان سور حدائق الأهرام من ناحية طريق الفيوم يحمل على امتداده شكل زهرة اللوتس، الزهرة المقدسة عند المصريين القدماء، ودلالة الحياة والتجدد في حضارتهم.
لكن قبل نحو ستة أشهر فقط، تم إزالة هذا الشكل بالكامل من السور، بلا تفسير رسمي، وكأن هناك من أراد طمس آخر لمسة جمالية تربط الحي بالمشهد الحضاري المجاور له.
لماذا أُزيلت اللوتس؟ ومن الذي قرر ذلك؟ سؤال بسيط لكنه يختصر مأساة أوسع: غياب الحس الجمالي عن إدارة المكان، حتى وهو يقف في ظل المتحف المصري الكبير!

مفارقة الحضارة والعشوائية

المتحف المصري الكبير يمثل قمة ما يمكن أن تفعله الإرادة والعلم والتمويل الدولي، بينما يمثل حي حدائق الأهرام نموذجًا لما يمكن أن تفعله البيروقراطية والتقصير المحلي.
الزائر الأجنبي الذي يمر بسيارته عبر شوارع الحي في طريقه إلى المتحف، يرى المشهدين معًا: مجد الأجداد في الأفق، ومأساة الأحفاد على الأرصفة.

من المسؤول؟

الحيّ الإداري؟ المحافظة؟ وزارة التنمية المحلية؟ أم جمعية تنمية صحراء هضبة الأهرام التي يُفترض أنها الجهة المسؤولة عن إدارة المنطقة وتحصيل الرسوم من السكان مقابل خدمات النظافة والصيانة والأمن؟
لكن الواقع يقول إن الجمعية تحوّلت بمرور الوقت إلى مجرد اسم بلا أثر، وسط شكاوى لا تنتهي من السكان بشأن ضعف الخدمات وتدهور البنية التحتية وغياب الرقابة.
يتبادل الجميع اللوم، بينما تبقى الحقيقة المؤلمة أن منطقة يفترض أن تكون الأجمل في الجيزة، تحوّلت إلى مثال على غياب الرؤية والتخطيط الحضاري.
كيف يمكن أن تفتتح مصر متحفها الأكبر في العالم، بينما الجار المجاور غارق في الإهمال؟

الختام.. رسالة إلى من يهمه الأمر

الحديث هنا ليس تذمرًا، بل دعوة لإدراك التناقض الذي يراه كل زائر بسيط قبل أن يدخُل المتحف: لا يكفي أن نُظهر وجه مصر الجميل أمام الكاميرات، بل يجب أن نُجمّل ما حوله أيضًا.
فالمتحف ليس مجرد مبنى… هو وعدٌ بالنهضة.
لكن هذا الوعد يفقد معناه إذا ظل الجار “غير السعيد” يعاني في صمت.

إن تطوير حي حدائق الأهرام لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية وجمالية، تستحق تدخلًا مباشرًا من رئاسة مجلس الوزراء ولجنة من وزارة الإسكان والآثار، حتى لا يظل من جاور السعيد… تعيسًا في الظل.

من جاور السعيد في أحيان كثيرة لا يسعد… إلا إذا قررت الدولة أن تجعل من جمال المتحف بداية لتجميل ما حوله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى