المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: حين يتصدر التافهون ويتوارى أصحاب العقول

ليست أزمة الأمم في كثرة المشاهير وصنّاع المحتوى، بل في فساد معايير التقدير؛ حين تتقدم الشهرة على الكفاءة، والمظاهر على القيم، والتملق على الصدق، ويُكافأ الضجيج بينما يُهمّش العلم والفكر والإنجاز…
فالشهرة ليست عيبا، ولا الموهبة نقيضا للعقل؛ وإنما الخلل حين تصبح القدرة على جذب الأنظار أعظم مكافأة من القدرة على إنتاج المعرفة وصناعة الأثر…
اجتماعيا: حين يتصدر المقلدون ويتوارى المبدعون، تختل القدوات، ويتحول الظهور من نتيجة للاستحقاق إلى بديل عنه…
ونفسيا: تتشكل طموحات الأجيال بما يكافئه المجتمع لا بما يعظ به؛ فيسبق طلب الإعجاب بناءَ الكفاءة، ويغدو الاعتراف الاجتماعي غاية تتقدم على تحقيق الذات بالإنجاز…
واقتصاديا: يعمّق اقتصاد الانتباه هذا الاختلال حين تتحول المشاهدات إلى عوائد، والانتشار إلى نفوذ، دون ارتباط ضروري بالقيمة المعرفية أو المنفعة الاجتماعية…
وحضاريا: لا تكمن الخطورة في شهرة السطحيين، بل في منظومة حوافز تعيد توجيه المواهب من الإبداع والإنتاج إلى التقليد والاستعراض، فتُهدر طاقات كان يمكن أن تصنع التقدم…
فالأمم لا تنهض بمن يحصدون التصفيق، بل بمن يصنعون أسباب استحقاقه…
وحين يعلو الضجيج على صوت العقل، فلا تسأل لماذا تصدّر التافهون، بل لماذا منحهم المجتمع الصدارة؛ فالأزمة ليست فيمن يطلب مكانة لا يستحقها، بل في مجتمع يخلط بين استحقاق المكانة وامتلاك الشهرة…HB




