اخبار عاجلهمفقوداتمقالات كتاب الموقع

أبطال خلف النصر (1) | محمود يوسف سعادة.. العالم الذي دخل معركة أكتوبر من بوابة المعمل وأنقذ مشروع وقود الصواريخ

إعداد وتقديم: أمجد جلال

لم يكن نصر أكتوبر 1973 وليد المعركة العسكرية وحدها، ولم تصنعه المدافع والطائرات والجنود فقط؛ فقد كان وراءه علماء وباحثون ومهندسون عملوا في صمت، داخل المعامل ومراكز البحوث، لتوفير ما تحتاج إليه القوات المسلحة من إمكانات علمية وفنية.

ومن بين هؤلاء يبرز اسم العالم المصري الدكتور محمود يوسف سعادة، الذي ارتبط اسمه بجهود تطوير وتجهيز وقود الصواريخ، في واحدة من القصص التي تكشف كيف يمكن للعلم أن يتحول إلى سلاح في معركة الدفاع عن الوطن.

من المعمل إلى ميدان المعركة

كان الدكتور محمود يوسف سعادة متخصصًا في الهندسة الكيميائية والتجارب شبه الصناعية، وعمل بالمركز القومي للبحوث، وتولى مسؤوليات علمية وإدارية في مجال تخصصه. وسبق له العمل بالتدريس في الكلية الفنية العسكرية، قبل انتقاله إلى المركز القومي للبحوث عام 1965.

ومع اقتراب المواجهة العسكرية مع إسرائيل، ظهرت تحديات تتعلق بتوفير بعض الاحتياجات الفنية والمواد اللازمة لتشغيل منظومات عسكرية، من بينها وقود الصواريخ. وفي ظل الصعوبات التي واجهت مصر في الحصول على بعض الإمدادات الخارجية، برزت الحاجة إلى الاعتماد على القدرات العلمية المحلية.

هنا جاء دور فريق بحثي مصري، قاده الدكتور محمود سعادة، للعمل على حل المشكلة من خلال البحث والتجارب والتحليل الكيميائي، في مهمة لم تكن مجرد تجربة داخل معمل، بل جزءًا من الاستعداد لمعركة مصيرية.

فريق عمل في ظروف استثنائية

لم يكن الإنجاز عملًا فرديًا، بل شارك فيه فريق من الباحثين والمتخصصين. ووفقًا لشهادات عدد من أعضاء الفريق التي نشرتها جريدة «الوطن» في أكتوبر 2017، استمر المشروع عدة أشهر، وعمل المشاركون في ظروف صعبة، مع الحرص على السرية، وتكثيف ساعات العمل، وإجراء التجارب اللازمة للوصول إلى نتائج قابلة للاستخدام.

وتوضح شهادات أعضاء الفريق أن المهمة احتاجت إلى خبرة علمية دقيقة، وتعاون بين المتخصصين، واختبارات متتابعة للتأكد من صلاحية المواد المنتجة ومطابقتها للمواصفات المطلوبة.

وتكشف هذه التفاصيل عن جانب مهم من قصة النصر؛ فنجاح المؤسسة العسكرية في أداء مهامها يعتمد أيضًا على فرق علمية وفنية تعمل بعيدًا عن ساحات القتال، لكنها تسهم في تجهيز أدواته.

240 لترًا من الوقود.. بداية الطريق

تذكر تقارير صحفية تناولت قصة العالم المصري أن الفريق نجح في استخلاص نحو 240 لترًا من الوقود الصالح للاستخدام من مخزون منتهي الصلاحية، في محاولة للاستفادة من المواد المتاحة بدلًا من إهدارها.

وقد مثلت هذه الخطوة، وفقًا للروايات المنشورة عن التجربة، جزءًا من الجهود الرامية إلى التعامل مع مشكلة الوقود، والاستفادة من الإمكانات المحلية في وقت كانت فيه احتياجات القوات المسلحة تفرض حلولًا عاجلة.

وتشير تقارير صحفية أخرى إلى أن الجهود امتدت لاحقًا إلى إنتاج كميات أكبر من وقود الصواريخ بالتعاون بين الخبرات البحثية والمدنية والمتخصصين العسكريين، وتورد بعض هذه التقارير رقمًا يصل إلى نحو 45 طنًا.

ومع أهمية هذه الأرقام في توثيق القصة، فإن نسبتها إلى مراحل المشروع المختلفة تحتاج إلى التمييز بين ما ورد في شهادات أعضاء الفريق وما نقلته التقارير الصحفية عن أفراد الأسرة ومصادر أخرى.

العلم لا يعمل منفردًا

تكمن أهمية تجربة محمود سعادة في أنها تقدم نموذجًا للتعاون بين البحث العلمي واحتياجات الدولة في وقت الحرب. فالمعمل لم يكن منفصلًا عن الجبهة، والباحث لم يكن بعيدًا عن المعركة؛ إذ يمكن أن يكون للتجربة الكيميائية أو الاختبار الفني أثر مباشر في توفير احتياجات حيوية.

لكن من المهم أيضًا عدم اختزال الاستعداد العسكري أو نتائج حرب أكتوبر في إنجاز شخص واحد أو مشروع واحد؛ فقد تحقق النصر بتكامل جهود القوات المسلحة ومؤسسات الدولة، وبمشاركة أعداد كبيرة من الخبراء والعاملين في مجالات متعددة.

ومن هنا تأتي قيمة هذه القصة: ليس باعتبارها حكاية عن عالم واحد أنجز كل شيء بمفرده، وإنما باعتبارها شهادة على قدرة فريق مصري على تسخير العلم والإمكانات المتاحة لمواجهة تحدٍ حقيقي.

مسيرة علمية لم تتوقف عند أكتوبر

امتدت مسيرة الدكتور محمود يوسف سعادة العلمية إلى ما بعد الحرب، وتشير بيانات المركز القومي للبحوث إلى توليه منصب نائب رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا خلال الفترة من 1987 إلى 1998.

وتوفي سعادة عام 2011، تاركًا وراءه سيرة ترتبط بمرحلة مهمة من تاريخ توظيف البحث العلمي في خدمة الأمن القومي المصري.

أبطال خلف النصر

إن استعادة هذه القصة في ذكرى حرب أكتوبر ليست مجرد استرجاع لواقعة من الماضي، بل تذكير بأن النصر تصنعه منظومة متكاملة: جندي يقاتل، ومهندس يبتكر، وعالم يبحث، وفني ينفذ، وعامل ينتج، وكل منهم يؤدي دوره في اللحظة التي يحتاج فيها الوطن إلى جهده.

كان بعض أبطال أكتوبر في الخنادق، وكان آخرون في المعامل؛ لكن الهدف كان واحدًا: أن تمتلك مصر القدرة على الدفاع عن أرضها واتخاذ قرارها بإرادتها.

المصادر والمراجع

  1. جريدة الوطن: «الوطن تحاور فريق العالم سعادة المسؤول عن فك شفرة وقود الصواريخ قبل حرب أكتوبر.. ملحمة وطنية أسهمت في النصر» — 5 أكتوبر 2017.
    https://www.elwatannews.com/news/details/2585892
  2. بوابة الشروق: «محمود سعادة.. عالم مصري حارب إسرائيل دون أن يطلق رصاصة واحدة.. ما قصته؟» — 6 أكتوبر 2021.
    https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=06102021&id=b3952ee3-84ec-4481-991e-77eac557ffa2
  3. المركز القومي للبحوث: الموقع الرسمي، ضمن البيانات المتعلقة بتاريخ المركز وقياداته.
    https://www.nrc.sci.eg/about-us

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى