المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب.. الفضيلة ليست منتصف المسافة بل أن تقف حيث ينبغي

الفضيلة ليست منتصف المسافة، بل أن تقف حيث ينبغي
اشتهرت في الفلسفة الأخلاقية قاعدة أن الفضيلة وسط بين رذيلتين: الإفراط والتفريط.. لكن الوسط هنا ليس نقطة حسابية تتساوى عندها المسافات، بل موضعا أخلاقيا يحدده العقل والحكمة بحسب الفعل والظرف والغاية…
فالفضيلة ليست أن تختار منتصف المسافة بين نقيضين، بل أن تصيب موضع الصواب؛ بالمقدار المناسب، وفي الظرف المناسب، وللسبب المناسب…
فالشجاعة ليست تسوية بين الجبن والتهور، بل معرفة متى تواجه الخطر، ومتى تتجنبه.. والكرم ليس مقدارا متوسطا من العطاء، بل أن تعطي ما ينبغي، لمن ينبغي، حين ينبغي، دون بخل أو تبذير…
والحلم ليس احتمال الإهانة بلا حدود، كما أن الحزم ليس قسوة؛ والتواضع ليس مذلة، كما أن الاعتزاز بالنفس ليس كبرا…
وليست كل فضيلة قابلة للاختزال في وسط بين رذيلتين؛ فالصدق لا يتحقق بمزج الحقيقة بالكذب، والعدل لا يتحقق بتقسيم المسافة بين الحق والباطل.. وقد تقتضي الحكمة ألا تقول كل حقيقة في كل مقام، ما لم يكن في السكوت إضاعة حق أو إقرار ظلم؛ لكنها لا تجعل الكذب نصف صدق، ولا الباطل نصف عدل…
وهنا يظهر الفرق بين الاعتدال بوصفه توسطا شكليا، والحكمة بوصفها قدرة على تقدير موضع الصواب؛ فقد يكون الامتناع عن الفعل فضيلة في موقف، والإقدام عليه فضيلة في موقف آخر؛ لا لأن القيم تبدلت، بل لأن تنزيلها على الوقائع يختلف باختلاف الظروف والحقوق والمآلات…
فالفضيلة لا يحددها مقدار الفعل وحده، بل موضعه ودافعه ووسيلته وعواقبه المتوقعة.. وليس كل تشدد إفراطا، ولا كل تساهل اعتدالا؛ فقد يكون الحزم واجبا حين يصبح التساهل تفريطا، ويكون العفو فضيلة حين تتحول العقوبة إلى انتقام…
ولهذا ليست الحكمة أن تقف دائما في المنتصف، بل أن تقف حيث ينبغي، ولو بدا موقفك بعيدا عن المنتصف…HB




