مقالات
أخر الأخبار

المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب : بين وقوع الظلم وتدوين المظلومية: من يملك رواية التاريخ؟

مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه حقيقة تاريخية لا يمحوها اختلاف الروايات، ومسؤولية من شارك في قتله أو تُحدّد بقدر فعله وما ثبت عليه؛ فمن دعاه ثم خذله يتحمل مسؤولية خذلانه، ومن قاتله يتحمل مسؤولية قتله، ومن أصدر الأوامر يتحمل مسؤولية قراراته…

لكن السؤال الذي يتجاوز الواقعة إلى منهج قراءة التاريخ هو: من روى، ومن دوّن، ومتى، وتحت أي سلطة؟…

امتد الحكم الأموي نحو تسعين عاما، بينما صُنّفت معظم المدونات التاريخية الكبرى في العصر العباسي، بعد انتقال السلطة إلى خصوم الأمويين الذين استفادت دعوتهم من مظالم آل البيت، بمشاركة قوى سياسية، من بينها عناصر خراسانية وعباسية وعلوية…

غير أن زمن التدوين ليس بالضرورة زمن إنتاج الرواية؛ فأخبار كربلاء نشأت في بيئات أسبق، وانتقلت عبر رواة بعضها شهد الدعوة إلى الحسين وخذلانه، وبعضها ارتبط بتيارات سياسية ومذهبية، ثم انتقلت عبر أجيال تتنازعها الولاءات، قبل أن تستقر في مصنفات دُوّن بعضها في ظل سلطة مصلحتها في إدانة الحكم الأموي.. فالانحياز السياسي يؤثر في صياغة الأخبار، كما أن القرب من الحدث يمنح الراوي المعرفة، لا ضمان الصدق…

ولأن الحكم العباسي امتد قرونا، فقد تعاقبت خلاله بيئات تدوين متباينة، تداخلت في بعضها ذاكرة المظلوم مع صراعات الشرعية والسلطة.. ولذلك لا يكفي السؤال عمّن كتب الخبر، بل عمّن رواه أولا، وكيف انتقل، وما الذي ثبت من تفاصيله، وما الذي حرفته الذاكرة اللاحقة…

فالعدل التاريخي يقتضي فحص الأسانيد والمتون، ومقارنة الأخبار المستقلة، وتمييز الواقعة الثابتة من تفسيرها، والمسؤولية السياسية من الاتهام الشخصي…

والمفارقة أن المنتصر قد يستثمر مظلومية من سبقه ليؤسس شرعية حكمه، ثم يعيد توظيف ذاكرته في صراعات سلطته… فالظلم لا يمنح الرواية عصمة، والمظلومية لا تورّث السيادة؛ ومنهج الإنصاف أن نحاكم التاريخ بالدليل، لا أن نحاكم الدليل بما استقر في الذاكرة…HB

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى