حدث في مثل هذا اليوم | 9 أكتوبر 1973.. شارون يفتح باب التصعيد على الجبهة المصرية وأمريكا تقترب أكثر من إسرائيل

من معارك الجولان وشرق قناة السويس إلى حسابات واشنطن وموسكو.. يومٌ من أيام حرب أكتوبر التي تجاوز تأثيرها حدود ميدان القتال
في مثل هذا اليوم، 9 أكتوبر 1973، كانت حرب أكتوبر تدخل مرحلة شديدة الحساسية. فبعد ثلاثة أيام من عبور القوات المصرية قناة السويس وتحطيم أجزاء من خط بارليف، وبعد الهجوم السوري على الجولان، كانت إسرائيل تحاول استعادة زمام المبادرة على الجبهتين، فيما بدأت ملامح المواجهة الدولية تتضح بصورة أكبر.
لم تكن المعركة في سيناء والجولان وحدهما؛ فقد كانت واشنطن وموسكو تتابعان تطورات الحرب باعتبارها أزمة تهدد بتوسيع المواجهة بين القوتين العظميين، بينما كانت الدول العربية تتحرك سياسيًا وعسكريًا لدعم الموقف العربي.
مصر.. تثبيت مواقع العبور تحت ضغط الهجمات الإسرائيلية
على الجبهة المصرية، كانت القوات المسلحة المصرية تواصل تثبيت مواقعها على الضفة الشرقية لقناة السويس، بعد نجاح العبور في السادس من أكتوبر، وبدء انهيار أجزاء من الدفاعات الإسرائيلية التي عُرفت بخط بارليف.
وفي 9 أكتوبر، كانت القوات الإسرائيلية تواصل محاولاتها لتقليص رؤوس الكباري المصرية شرق القناة، وسط معارك جوية وبرية متواصلة.
وكانت أهمية هذه المرحلة أن مصر لم تكن تخوض معركة عبور القناة فحسب، بل كانت تسعى إلى تثبيت وجود قواتها شرق القناة والمحافظة على المكاسب التي تحققت في الأيام الأولى للحرب.
إسرائيل.. هجمات مضادة ومحاولة لاستعادة المبادرة
على الجبهة المصرية، ارتبط يوم 9 أكتوبر بتحركات هجومية للواء الاحتياط الإسرائيلي أرييل شارون في منطقة القناة، في إطار محاولات مواجهة القوات المصرية. وتشير روايات تاريخية إلى أن شارون تحرك بهجوم مضاد رغم خلافات بشأن الأوامر العسكرية، وأثارت تحركاته خلافات داخل القيادة الإسرائيلية.
وفي الجبهة السورية، واصلت القوات الإسرائيلية هجماتها لاستعادة مواقع في هضبة الجولان، بعد التقدم السوري في الأيام الأولى للحرب.
وتوضح وثائق أمريكية رسمية مؤرخة في 9 أكتوبر أن القوات الإسرائيلية واصلت هجومها لليوم الثاني على التوالي، بهدف إبعاد القوات السورية عن مواقعها في الجولان وتقليص مواقع القوات المصرية شرق قناة السويس.
أمريكا.. رسالة دعم إسرائيلية في قلب الحرب
في واشنطن، لم تكن الحرب مجرد أزمة إقليمية. فقد كانت الولايات المتحدة تراقب ميزان القوى العسكري، وتتابع في الوقت نفسه التحركات السوفيتية لدعم مصر وسوريا.
وفي 9 أكتوبر، طلب الزعيم اليهودي الأمريكي ماكس فيشر من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، خلال لقاء في البيت الأبيض، توفير ما تحتاج إليه إسرائيل من دعم عسكري. ووفقًا للتسلسل الزمني الذي نشرته وكالة التلغراف اليهودية، أبلغ نيكسون رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير في تلك الليلة أن خسائر إسرائيل من الطائرات والدبابات ستُعوَّض.
كان ذلك مؤشرًا على اتجاه واشنطن إلى ضمان استمرار قدرة إسرائيل على القتال، قبل أن تبدأ عملية الجسر الجوي الأمريكي الواسعة لإمدادها بالسلاح في الأيام التالية.
الاتحاد السوفيتي.. الطرف الآخر في معادلة الصراع
في المقابل، كان الاتحاد السوفيتي يقدم دعمًا عسكريًا لمصر وسوريا، في سياق المنافسة الدولية مع الولايات المتحدة.
وأصبحت الحرب اختبارًا للعلاقة بين القوتين العظميين: واشنطن تسعى إلى منع هزيمة إسرائيل، وموسكو تدعم حلفاءها العرب، مع استمرار الجهود الدبلوماسية لتجنب اتساع الصراع.
لكن المواجهة لم تتحول إلى حرب مباشرة بين الجيشين الأمريكي والسوفيتي؛ بل ظلت التحركات العسكرية والإمدادات والضغوط الدبلوماسية أدوات رئيسية في إدارة الأزمة.
الدول العربية.. الحرب تتجاوز الجبهات العسكرية
لم تكن حرب أكتوبر مواجهة مصرية سورية إسرائيلية فحسب؛ فقد ارتبطت بها أشكال مختلفة من الدعم العربي، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.
ومع استمرار الحرب، اتجهت الدول العربية المنتجة للنفط إلى استخدام النفط ورقة ضغط سياسية. وفي 17 أكتوبر 1973، اتخذت الدول العربية الأعضاء في منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك» قرارًا بخفض الإنتاج النفطي، ثم تصاعدت إجراءات الحظر النفطي على الولايات المتحدة ودول أخرى دعمت إسرائيل.
وكان لهذه الإجراءات تأثير كبير في أسواق الطاقة العالمية، وأسهمت في أزمة النفط التي هزت الاقتصاد الدولي.
ومن المهم التمييز بين ما وقع يوم 9 أكتوبر وما جاء بعده: فالتحرك النفطي العربي الأبرز بدأ في منتصف الشهر، وليس في هذا اليوم تحديدًا.
لماذا يظل 9 أكتوبر محطة مهمة في تاريخ الحرب؟
تكمن أهمية هذا اليوم في أنه يكشف كيف انتقلت حرب أكتوبر سريعًا من نجاح العبور المصري والتقدم السوري في بدايتها إلى مرحلة صراع معقد تتداخل فيه العمليات العسكرية مع الإمدادات الدولية والحسابات السياسية والاقتصادية.
ففي الوقت الذي كانت فيه القوات تقاتل على الأرض، كانت واشنطن وموسكو تتحركان لتأمين مصالحهما وحلفائهما، وكانت المنطقة تتجه نحو مواجهة سيكون لها تأثير يتجاوز نتائج المعارك المباشرة.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن ما يحدث على الجبهة لا ينفصل عن موازين القوى الدولية، وأن نتائج الحروب لا تُصنع بالسلاح وحده، بل تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإرادة العسكرية.
9 أكتوبر 1973.. يومٌ من أيام حرب أكتوبر، كانت فيه المعارك مستمرة، والدعم الدولي يتشكل، ومقدمات التحول الكبير في المنطقة والعالم تتضح تدريجيًا.
المصادر: وثائق مكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية عن حرب 1973؛ التسلسل الزمني لحرب أكتوبر المنشور لدى وكالة التلغراف اليهودية؛ ووثائق تاريخ العلاقات الخارجية الأمريكية.




