اخبار عاجلهتقارير

هل قاتلت الملائكة مع الجيش المصري في حرب أكتوبر؟

إعداد وتقديم: أمجد جلال

روايات مصرية عن رجال بالملابس البيضاء.. ورؤى سبقت العبور.. وشهادات اختلف أصحابها حول ما رأوه

منذ الأيام الأولى لانتصار السادس من أكتوبر 1973، ظهرت بين المصريين روايات كثيرة تتحدث عن أمور خارقة للعادة صاحبت المعركة.

وكانت أكثر هذه الروايات إثارة للجدل: هل ظهرت الملائكة في حرب أكتوبر؟ وهل قاتلت بالفعل إلى جوار الجنود المصريين؟

القصة ليست مجرد حكاية حديثة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فالرواية تعود إلى السنوات الأولى بعد الحرب، وارتبطت باسم شيخ الأزهر الأسبق الدكتور عبد الحليم محمود، ثم نقلها لاحقًا عدد من المشاركين في الحرب ورجال الدين.

لكن في المقابل، هناك أبطال من حرب أكتوبر أنفسهم قالوا بوضوح إنهم لم يروا ملائكة، وإن النصر كان ثمرة الإعداد والتخطيط والتدريب والإيمان والشجاعة.

فأين تقف الحقيقة؟

البداية.. شيخ الأزهر ورؤية قبل الحرب

كان الدكتور عبد الحليم محمود شيخًا للأزهر أثناء حرب أكتوبر، وكان له دور في التعبئة المعنوية للجنود.

وتنقل مصادر مصرية عن عدد من علماء الأزهر والمقربين منه أنه رأى في المنام النبي محمد ﷺ يعبر قناة السويس بصحبة علماء المسلمين والجيش المصري، وأنه أخبر الرئيس أنور السادات بهذه الرؤيا قبل الحرب، واستبشر منها بالنصر.

وتؤكد رواية منشورة في صحيفة «الأهرام» أن الدكتور أحمد عمر هاشم تحدث عن هذه الرؤيا، وقال إن عبد الحليم محمود أخبر السادات بها قبل الحرب، ثم قام بدور كبير في رفع الروح المعنوية للجنود.

كما نشرت وزارة الأوقاف المصرية رواية عن هذه الرؤيا، واعتبرتها من البشارات المرتبطة بنصر أكتوبر.

لكن هذه تظل رؤيا منامية منسوبة إلى صاحبها، وليست وثيقة عسكرية تثبت ما جرى في ميدان القتال.

ثم جاءت الرواية الأشهر.. «الملائكة تقاتل معكم»

بعد اندلاع الحرب، نُسب إلى الشيخ عبد الحليم محمود حديثه عن وجود ملائكة مع الجنود المصريين.

وتذكر مصادر صحفية أن شيخ الأزهر ألقى في 12 أكتوبر 1973 خطبة تحدث فيها عن رؤيا النبي ﷺ، ثم خاطب الجنود بما معناه أن الملائكة التي قاتلت مع المؤمنين في بدر تقاتل معهم في هذه المعركة.

وهنا تحولت المسألة من مجرد روايات فردية إلى قضية عامة، وانتشرت بين المصريين قصص عن رجال يرتدون ملابس بيضاء ظهروا في مناطق القتال في لحظات الاشتباك.

ومن هنا بدأت أسطورة «الملائكة في حرب أكتوبر» تأخذ مكانها في الذاكرة الشعبية المصرية.

لكن ماذا قال أحد أبطال الحرب؟

المثير أن أحد أهم أبطال أكتوبر، العميد عادل يسري، قائد لواء النصر، كانت له رواية مختلفة تمامًا.

ففي مذكراته التي نشرت بعد الحرب، يذكر أنه سُئل كثيرًا:

هل رأيتم الملائكة؟ وهل كانت تقاتل معكم بملابس بيضاء؟

وكانت إجابته أنه لم ير الملائكة.

بل إنه يقول إنه سأل القادة والجنود الذين قاتلوا معه، وكانت إجاباتهم ـ بحسب روايته ـ أنهم لم يروا الملائكة أيضًا.

وكان تفسيره للنصر واضحًا: الإيمان بالله، والإيمان بالوطن، والإعداد الجيد، والتخطيط العلمي، والتصميم على القتال.

وهنا تظهر واحدة من أهم المفارقات في القصة:

روايات عن الملائكة من جهة، وشهادة قائد ميداني بارز يقول إنه لم يرها من جهة أخرى.

شهادة أخرى.. «رأينا رجالًا يرتدون الأبيض»

في المقابل، ظهرت شهادات أخرى لجنود مصريين تتحدث عن رؤية أشخاص يرتدون ملابس بيضاء.

ومن هذه الروايات شهادة أحد المشاركين في أول موجة عبور، الذي تحدث عن سماعه شهادة لجندي إسرائيلي يقول إنه رأى أشخاصًا يرتدون ملابس بيضاء، وأن ذلك دفع بعض أفراد القوة الإسرائيلية إلى الاستسلام.

لكن هذه الرواية تحديدًا تحتاج إلى الحذر؛ فهي شهادة منقولة عن شخص آخر وليست تسجيلًا مباشرًا للجندي الإسرائيلي نفسه، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها وثيقة إسرائيلية تثبت ظهور الملائكة.

اللواء محمد أحمد خليل صليحة: «الملائكة كانت تحارب معنا»

وفي السنوات الأخيرة عادت القصة إلى الواجهة من جديد.

ففي حوار نشرته صحيفة «روز اليوسف» عام 2023، قال اللواء محمد أحمد خليل صليحة، أحد أبطال الصاعقة في حرب أكتوبر، بشكل صريح:

إن الملائكة كانت تحارب مع الجيش المصري في حرب أكتوبر.

وربط اللواء صليحة حديثه بما حدث في المعركة الجوية، وبالتفوق الذي حققته القوات المصرية رغم الفارق الكبير في الإمكانات في ذلك الوقت.

وهذه شهادة مهمة من حيث كون صاحبها أحد المشاركين في الحرب، لكنها تظل شهادة شخصية وتفسيرًا دينيًا لما جرى، وليست وثيقة عسكرية تثبت وجود الملائكة.

عضو هيئة كبار العلماء يروي «كرامات الحرب»

ومن أكثر الروايات تفصيلًا ما رواه الدكتور محمود مهني، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، والذي شارك بنفسه في حرب أكتوبر.

ففي حوار صحفي، تحدث مهني عن أمور اعتبرها من «كرامات الحرب»، ومنها خروج المياه من الأرض أثناء الحصار، كما تحدث صراحة عن اعتقاده بأن الملائكة شاركت في الحرب.

ونقل عنه أيضًا قوله إن أرييل شارون، عندما حوصر، قال إن رجالًا يرتدون ملابس بيضاء حاصروه، وفسر مهني ذلك بأنهم ربما كانوا من الملائكة.

لكن هنا أيضًا يجب أن نتوقف.

نسبة هذا القول إلى شارون تحتاج إلى مصدر مستقل مباشر.

فما وجدناه في المصادر المتاحة هو نقل مصري عن هذه الرواية، وليس وثيقة أو مذكرات لشارون تثبت أنه قال هذه العبارة بالفعل.

وبالتالي لا يصح تحويلها إلى «حقيقة إسرائيلية مؤكدة».

وهل للملائكة أن تتدخل في المعارك أصلًا؟

هنا يأتي الجانب الديني.

في القرآن الكريم نص واضح عن إمداد المؤمنين بالملائكة في غزوة بدر:

«إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ»

والآية مرتبطة ببدر، وقد تناول المفسرون هذا الإمداد بالملائكة باعتباره من وجوه نصر الله للمؤمنين في تلك المعركة.

إذن أصل تدخل الملائكة في القتال ثابت في القرآن بالنسبة إلى بدر.

لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن كل انتصار عسكري بعد ذلك يمكن الجزم بأن الملائكة قاتلت فيه.

وهنا يجب الفصل بين الأمرين.

أكتوبر.. بين الإيمان والتاريخ

من الممكن أن يؤمن الإنسان بأن الله نصر مصر في أكتوبر، وأن النصر كان بتوفيق من الله.

لكن المؤرخ عندما يكتب عن الحرب يحتاج إلى التفريق بين:

الواقعة العسكرية الموثقة

و

الرواية الشخصية

و

الرؤيا والمنام

و

التفسير الديني للحدث.

وهذا التفريق لا ينتقص من قيمة الإيمان، ولا من مكانة أصحاب الشهادات.

بل على العكس، يجعل القصة أكثر قوة ونزاهة.

والأهم.. أن جنود أكتوبر لم يكونوا بحاجة إلى أسطورة

ربما تكون أجمل مفارقة في هذه القصة أن الجيش المصري نفسه قدّم للعالم ما هو أكثر إثارة من الأسطورة.

فخطة العبور، والتدريب، واستخدام خراطيم المياه في فتح الساتر الترابي، وتخطيط الضربة الجوية، واستخدام الصواريخ المضادة للدبابات، وتنظيم عبور القوات، كلها وقائع عسكرية موثقة.

والفريق سعد الدين الشاذلي نفسه تحدث عن أن التخطيط شمل تفاصيل دقيقة للغاية، حتى إن كل ضابط وجندي كان يعرف ما عليه فعله في توقيت محدد خلال الساعات الأولى من الحرب.

أي أن الإيمان لم يكن بديلًا عن التخطيط.. والتوكل لم يكن بديلًا عن العلم.

كان الجندي المصري يقاتل وهو مؤمن، لكنه كان أيضًا مدربًا ومخططًا ومستعدًا للتضحية.

إذن.. هل قاتلت الملائكة في أكتوبر؟

الإجابة الأكثر دقة:

هناك روايات مصرية عديدة تقول ذلك، وبعضها جاء من مشاركين في الحرب ورجال دين وعلماء أزهر.

لكن:

لا توجد أمامنا وثيقة تاريخية أو عسكرية مستقلة يمكن من خلالها الجزم بأن الملائكة شاركت فعليًا في القتال خلال حرب أكتوبر كما ثبت في القرآن بالنسبة إلى بدر.

وفي المقابل، لا يمكن تحويل غياب الوثيقة إلى نفي ديني قاطع؛ فالإيمان بالغيب شيء، وإثبات واقعة تاريخية بوثيقة شيء آخر.

ولهذا تبقى قصة «ملائكة أكتوبر» واحدة من أكثر الروايات إثارة في الذاكرة المصرية للحرب:

رواية يؤمن بها البعض، ويرفضها آخرون، ويظل أصلها قائمًا في شهادات ورؤى وقصص تناقلها المصريون منذ الأيام الأولى للنصر.

لكن المؤكد الذي لا يحتاج إلى ملائكة في الروايات هو أن الجندي المصري نفسه كان هناك.

عبر القناة.

وصعد إلى الساتر.

وحارب.

واستشهد.

وانتصر.

ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية.

وهذا وحده.. حكاية تستحق أن تُروى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى