أخبار مصراخبار عاجله

إذا كان البرلمان يمثل المصريين.. فلماذا «منتدى مصر»؟.. بقلم: أمجد جلال

أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي إطلاق الجلسات التحضيرية والموقع الإلكتروني لـ«منتدى مصر 2026»، ودعا مؤسسات الدولة والخبراء وأبناء الشعب المصري بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم إلى المشاركة وإبداء آرائهم وتقديم مقترحاتهم بشأن القضايا التي تشغل المواطن ومستقبل الدولة.

ومن المقرر أن يُعقد المنتدى خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري، لبحث عدد كبير من الملفات المرتبطة بحياة المصريين ومستقبل الدولة، من التعليم والصحة والثقافة، إلى الاقتصاد والاستثمار والدين العام والأمن الغذائي والمائي وغيرها.

لكن وسط كل هذا الزخم، يظل هناك سؤال سياسي مشروع لا ينبغي تجاهله:

إذا كان مجلس النواب هو الممثل الدستوري للشعب المصري، فلماذا نحتاج إلى منصة أخرى يدعو فيها رئيس الجمهورية المواطنين مباشرة إلى طرح رؤاهم ومقترحاتهم بشأن مستقبل الدولة؟

السؤال هنا ليس اعتراضًا على فكرة الحوار، بل على العكس تمامًا؛ ففتح المجال أمام المواطنين للاستماع إلى آرائهم أمر إيجابي ومطلوب.

لكن وجود هذه المساحة المباشرة بين المواطن ورأس الدولة يطرح في الوقت نفسه سؤالًا أكبر حول مدى قيام المؤسسات المنتخبة، وفي مقدمتها مجلس النواب، بدورها الحقيقي في نقل صوت الشارع إلى دوائر صنع القرار.

فالنائب، في الأصل، ليس مجرد شخص يفوز بمقعد في البرلمان ثم ينتهي دوره عند حضور الجلسات والتصويت على القوانين.

النائب هو عين المواطن داخل المؤسسة التشريعية، وصوته في مواجهة الحكومة، والمدافع عن مصالح دائرته، والقادر على نقل مشكلات الناس ومقترحاتهم إلى الدولة.

وعندما يشعر المواطن أنه بحاجة إلى أن يذهب بنفسه إلى منصة أنشأتها الدولة كي يقول ماذا يريد، فهذا يعني أن هناك فجوة ما بين المواطن والمؤسسات التي يفترض أنها تمثله.

وهنا تكمن أهمية «منتدى مصر».

فالمنتدى، من زاوية أخرى، يمكن أن يكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة مؤسسات الدولة على الاستماع إلى المواطنين.

ليس فقط من خلال جمع آلاف المقترحات، ولكن من خلال معرفة: لماذا لم تصل هذه المقترحات أصلًا عبر القنوات الطبيعية للتمثيل السياسي؟

ولماذا يحتاج المواطن إلى مخاطبة الدولة مباشرة حتى يسمع صوته؟

المسألة لا تتعلق بشخص الرئيس، ولا بنوايا الدولة في تنظيم المنتدى، وإنما تتعلق بجوهر العملية السياسية نفسها.

فإذا كانت الأحزاب قوية، والنواب قريبين من الناس، والبرلمان قادرًا على التعبير عن الشارع، فمن الطبيعي أن تكون غالبية مطالب المواطنين وأفكارهم قد وصلت بالفعل إلى الدولة عبر هذه المؤسسات.

أما أن نفتح منصة وطنية واسعة وندعو المواطن مباشرة ليقول للدولة ما الذي يريده، فهذا يعني أن هناك فرصة يجب أن نستغلها لمراجعة منظومة التمثيل السياسي نفسها.

البرلمان ليس مجرد مبنى في العاصمة، والنيابة ليست مجرد بطاقة عضوية أو حصانة.

التمثيل الحقيقي يبدأ من الشارع.

من المواطن الذي لديه مشكلة في التعليم، أو الصحة، أو الأسعار، أو العمل، أو الخدمات، أو الضرائب، أو الاستثمار، أو أي ملف من الملفات التي تناقشها الدولة.

وهنا يجب ألا يتحول المنتدى إلى مجرد مناسبة للحوار تنتهي بانتهاء جلساته.

إذا كانت الدولة جادة في الاستماع إلى المواطنين، فالخطوة الأهم ستكون بعد انتهاء المنتدى:

ماذا سنفعل بالمقترحات؟

ما الذي سيتم قبوله؟

وما الذي سيتم رفضه؟

ولماذا؟

وما القرارات التي ستتحول من مجرد أفكار إلى سياسات وبرامج تنفيذية؟

هذه هي اللحظة التي ستحدد قيمة المنتدى الحقيقية.

أما مجلس النواب، فعليه هو الآخر أن ينظر إلى المنتدى باعتباره فرصة لمراجعة دوره، وليس منافسة له.

فالبرلمان القوي لا يخشى أن يتحدث المواطن مباشرة إلى الدولة، وإنما يستفيد من هذا الحوار ليعرف ما الذي فشل في الوصول إليه، وما الذي يجب أن يحمله النواب إلى الحكومة.

وفي النهاية، لا توجد مشكلة في أن تستمع الدولة إلى المواطن مباشرة.

المشكلة الحقيقية أن يصبح المواطن مضطرًا إلى تجاوز المؤسسات التي يفترض أنها موجودة أصلًا للاستماع إليه.

لذلك، فإن «منتدى مصر 2026» لا يجب أن يكون فقط منتدى للاستماع إلى المواطنين، بل يجب أن يكون أيضًا فرصة لإعادة الاعتبار لفكرة التمثيل السياسي الحقيقي.

فإذا كان المواطن قد وجد أخيرًا منصة يقول فيها ما يريد، فالسؤال الأهم بعد ذلك:

هل سيجد نائبًا يحمل صوته داخل البرلمان؟

وهنا فقط يمكن أن نعرف هل نجح المنتدى في توسيع المشاركة السياسية، أم أنه كشف لنا ببساطة حجم المسافة بين المواطن وممثليه المنتخبين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى