العالم
أخر الأخبار

كواليس كشف المفاعل النووي السوري.. ضابطة بالموساد تحدت قياداتها وقادت إسرائيل إلى دير الزور

كشفت رواية جديدة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت تفاصيل من الكواليس الاستخباراتية التي سبقت تدمير المنشأة النووية السورية في منطقة دير الزور عام 2007، مسلطًا الضوء على دور ضابطة شابة في جهاز الموساد تمسكت بفرضية وجود برنامج نووي عسكري سري في سوريا، رغم تشكيك رؤسائها في استنتاجاتها.

ونشر موقع «واي نت» الإسرائيلي فصولًا من كتاب أولمرت، تناول خلالها سلسلة من التحركات والعمليات الاستخباراتية التي بدأت بمعلومات متناثرة وشكوك غير مؤكدة، وانتهت بالوصول إلى أدلة قالت إسرائيل إنها كشفت طبيعة المنشأة الموجودة في دير الزور.

البداية.. شكوك استخباراتية بلا دليل حاسم

بحسب رواية أولمرت، بدأت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية خلال السنوات الأولى من الألفية الجديدة في رصد مؤشرات متفرقة حول احتمال وجود نشاط نووي عسكري في سوريا، إلا أنها لم تكن تمتلك في ذلك الوقت دليلًا واضحًا على وجود مفاعل أو مشروع نووي متكامل.

وكان التركيز الإسرائيلي منصبًا بدرجة أكبر على البرنامج النووي الإيراني وتنظيم القاعدة، بينما لم تكن سوريا تحتل موقعًا متقدمًا في قائمة الأولويات النووية.

لكن اكتشاف البرنامج النووي الليبي عام 2003 دفع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وفق الرواية، إلى إعادة تقييم احتمالات وجود برامج نووية سرية في دول أخرى بالمنطقة.

«لا يوجد شيء في سوريا»

بدأ الموساد في دراسة احتمال وجود برنامج نووي سري في سوريا، إلا أن رئيس الجهاز آنذاك، مائير داغان، لم يكن مقتنعًا في البداية بهذه الفرضية.

وبحسب أولمرت، رأى داغان أن إسرائيل تمتلك تغطية استخباراتية واسعة داخل سوريا، وبالتالي سيكون من الصعب على دمشق إقامة مشروع نووي سري دون أن ترصده الأجهزة الإسرائيلية.

في المقابل، أصر رئيس قسم الاستخبارات في الموساد، أمنون سوفرين، على مواصلة البحث وجمع المزيد من المؤشرات.

ضابطة شابة تتمسك بالفرضية

برزت خلال هذه المرحلة ضابطة شابة في الموساد عُرفت باسم «عنات»، وقررت التركيز على الملف النووي السوري، رغم أن الملف الإيراني كان يحظى بأولوية أكبر داخل الجهاز.

وبدأت عنات في مراجعة المعلومات القديمة والعودة إلى أرشيفات الاستخبارات، بحثًا عن أي مؤشرات يمكن أن تدعم فرضية وجود نشاط نووي سري في سوريا.

لكن استنتاجاتها لم تلقَ قبولًا واسعًا لدى رؤسائها، الذين كانوا يرون أن سوريا لا تمتلك الإمكانات اللازمة لإنشاء برنامج نووي عسكري سري، وأن مشروعًا بهذا الحجم سيكون من السهل اكتشافه.

كما لم تكن الولايات المتحدة، وفق رواية أولمرت، تمتلك في ذلك الوقت مؤشرات واضحة تربط سوريا بنشاط نووي عسكري.

خيط كوري شمالي يعيد فتح الملف

مع نهاية عام 2006، كان الملف الذي تعمل عليه عنات يقترب من الإغلاق بعد عدم الوصول إلى أدلة حاسمة.

لكن قبل إغلاقه بأيام، ظهرت معلومات حول شخص من أصل كوري شمالي موجود في سوريا ويحظى باهتمام خاص من السلطات السورية.

قررت عنات مواصلة تتبع الخيط، لتكتشف وجود مجموعة من الكوريين الشماليين في سوريا، دون أن تكون طبيعة مهمتهم واضحة.

ومن هنا ظهرت فرضية جديدة بشأن وجود تعاون سوري-كوري شمالي محتمل في مجال نووي.

دير الزور تدخل دائرة الاشتباه

أدت عمليات المتابعة إلى رصد لقاءات بين المجموعة الكورية الشمالية وإبراهيم عثمان، رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية، إضافة إلى صلات بين عثمان واللواء محمد سليمان، أحد المقربين من الرئيس السوري بشار الأسد والمسؤول عن ملفات حساسة.

كما رُصدت تحركات باتجاه مناطق نائية في الصحراء السورية، وصولًا إلى منطقة دير الزور.

وهناك ظهرت منشأة كبيرة من الخارج تشبه مبنى صناعيًا، لكنها بدت شبه خالية من النشاط، الأمر الذي أثار مزيدًا من الشكوك لدى الضابطة التي كانت تتابع الملف.

عرض الصور على رئيس الموساد

استُدعيت عنات إلى اجتماع مع رئيس الموساد مائير داغان، وقدمت له صورًا جوية للمنشأة الموجودة في دير الزور.

لكن داغان لم يقتنع بشكل كامل، واعتبر أن المبنى قد يكون منشأة عادية، مثل مدرسة أو مبنى صناعي.

ومع ذلك، أصدر توجيهات بإجراء تحقيق أعمق حول احتمال وجود تعاون بين سوريا وكوريا الشمالية لإقامة مشروع نووي عسكري.

عملية سرية في أوروبا

مع استمرار التحقيقات، ظهرت فرصة للحصول على معلومات مباشرة من إبراهيم عثمان، الذي كان يستعد للسفر إلى إحدى الدول الأوروبية.

وفي مارس 2007، طلب رئيس الموساد من أولمرت الموافقة على عملية تهدف إلى الوصول إلى معلومات بحوزة عثمان، وفقًا لرواية رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق.

وكان من المقرر أن يقود العملية تامير باردو، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للموساد.

وحدة تخزين تقلب مسار القضية

خلال العملية داخل غرفة عثمان في الفندق، لاحظت إحدى عميلات الموساد وجود وحدة تخزين USB على الطاولة.

وبحسب رواية أولمرت، ورغم التعليمات التي كانت تقضي بعدم ترك أي أثر أو تغيير محتويات الغرفة، قررت العميلة أخذ وحدة التخزين معها.

وتبين لاحقًا أن الوحدة تحتوي على معلومات وصور مهمة للمنشأة السورية، وهو ما شكل نقطة تحول رئيسية في القضية، وفق الرواية الإسرائيلية.

صور تكشف طبيعة المنشأة

بعد نقل البيانات إلى إسرائيل، خضعت المواد للتحليل من جانب أجهزة الاستخبارات.

ووصلت المعلومات إلى عنات، التي وجدت نفسها أمام حالة استنفار داخل المؤسسة، قبل أن يتم إبلاغها بأن المحللين عثروا على صور لمنشأة نووية في سوريا.

وخلال اجتماع ضم مسؤولين وخبراء في المجال النووي، طُلب من عنات ورئيستها تحليل الصور وتحديد طبيعة المنشأة.

وبحسب أولمرت، خلص الخبراء بعد دراسة الصور إلى أن المنشأة الموجودة في دير الزور كانت مفاعلًا نوويًا عسكريًا قيد الإنشاء.

المفارقة.. الضابطة كادت تفقد عملها

المفارقة التي يبرزها أولمرت في روايته أن الضابطة التي أصرت لسنوات على متابعة فرضية المفاعل السوري لم تحصل على التقدير المتوقع فور ظهور الأدلة.

وبحسب الرواية، تعرضت عنات لانتقادات من قيادات داخل القسم، ووصل الأمر إلى اقترابها من فقدان وظيفتها في الموساد، رغم مساهمتها في كشف القضية.

وتساءلت عنات، وفق أولمرت، كيف يمكن اعتبار تقييماتها خاطئة وهي التي ساعدت في الوصول إلى المنشأة النووية السورية.

وفي النهاية، حصلت على عقد لمدة عام كفترة تجريبية، قبل أن تستمر في عملها داخل الموساد وتتولى لاحقًا منصبًا رفيعًا.

من الشكوك إلى تدمير المنشأة

شكل اكتشاف المنشأة في دير الزور نقطة تحول في التعامل الإسرائيلي مع الملف النووي السوري، وانتهى الأمر بتنفيذ إسرائيل غارة جوية في سبتمبر 2007 أدت إلى تدمير الموقع.

ويرى أولمرت أن هذه القصة تقدم درسًا استخباراتيًا بشأن مخاطر الاعتماد المفرط على التقديرات السابقة، وضرورة التعامل بجدية مع المؤشرات التي لا تتوافق مع التصورات السائدة.

وتخلص الرواية إلى أن الإصرار على متابعة خيط استخباراتي غير مألوف قد يكون عاملًا حاسمًا في اكتشاف تهديدات لا تستطيع المؤسسات رؤيتها عندما تصبح أسيرة لتقديراتها السابقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى