أخبار الكويت

الثاني من أغسطس.. ذكرى غزو الكويت التي غيّرت ملامح المنطقة وأعادت رسم خريطة العلاقات العربية

ونحن نعيش مرحلة مهمة في تاريخ المنطقة في ظل أجواء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ومحاولات إقحام دول الخليج ودول عربية فيها.. وفي ظل اعتداءات إيران ووكلائها الآثمة على دولة الكويت ودول الخليج العربية بل والأردن وربما مصر أيضا تطل علينا ذكرى أسوأ حدث مرت به دولة الكويت.. ذكرى الغزو العراقي الغاشم.

ففي الثاني من أغسطس عام 1990، (الخميس الأسود).. عاشت المنطقة العربية واحدة من أكثر اللحظات صعوبة وتأثيراً في تاريخها الحديث، بعدما أقدمت قوات النظام العراقي بقيادة الرئيس الديكتاتور الدموي المقبور صدام حسين على غزو دولة الكويت، في خطوة هي نقطة تحول كبرى ألقت بظلالها على النظام العربي والعلاقات الإقليمية والدولية لعقود لاحقة.

ويُعرف هذا اليوم في الذاكرة الكويتية باسم “الخميس الأسود”، وفي هذا اليوم المشؤوم توحد الشعب الكويتي خلف قيادته السياسية ممثلة في أسرة آل الصباح، ليقدم نموذجاً في التماسك الوطني والصمود أمام الاحتلال.

في المقابل، لم يحصد العراق من هذا الغزو سوى أزمات متتالية وخسائر سياسية واقتصادية كبيرة، حيث أدى الاحتلال الذي استمر 7 أشهر إلى تصدع العلاقات العربية، وفتح الباب أمام تدخلات أجنبية واسعة في المنطقة، ولا تزال تداعيات تلك المرحلة حاضرة حتى اليوم.

لم يستجب نظام صدام حسين للتحذيرات والنصائح التي وجهتها إليه دول عربية عديدة وأقدم على دخول الأراضي الكويتية والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها، مستنداً إلى مبررات واهية.. وأكاذيب باطلة.

وأدى القرار العراقي إلى انتقال الأوضاع داخل العراق من مرحلة صعبة إلى أوضاع أكثر تعقيداً، كما تسبب في أضرار واسعة للدول العربية، وساهم في زيادة النفوذ الأجنبي داخل المنطقة.

نجح الشعب الكويتي في توحيد صفوفه خلال فترة الغزو، حيث وقف الكويتيون بمختلف أطيافهم، في صف واحد لمواجهة القوات العراقية، ورغم التفوق العددي للقوات العراقية مقارنة بالقوات الكويتية، فإن المقاومة الكويتية لم تتوقف منذ الساعات الأولى للغزو وحتى إعلان التحرير، ليصبح موقف الشعب الكويتي رمزاً للصمود والوحدة الوطنية.


ولا يزال درس الغزو الكويتي حاضرًا في الخطاب السياسي، باعتباره مثالًا على أهمية الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الأزمات.

لم يكن تحرير الكويت نتيجة عامل واحد، بل جاء بعد تكاتف عدة عوامل، من أبرزها المقاومة الشعبية الكويتية، إضافة إلى الدعم العربي والدولي الذي قدمته دول عدة، وكانت المملكة العربية السعودية من أبرز الدول التي لعبت دوراً محورياً في مواجهة الغزو، حيث عملت على تعزيز التعاون العسكري والتنسيق مع مصر وسوريا، باعتبارهما من الدول العربية التي وقفت بقوة ضد الاحتلال العراقي.

كما تبنت السعودية موقفاً حازماً تجاه العراق والدول التي اعتُبرت داعمة لموقف النظام العراقي خلال الأزمة.


ظل موقف دولة الإمارات العربية المتحدة حاضراً في ذاكرة الكويتيين، حيث أعلنت القيادة والشعب الإماراتي رفضهم للغزو منذ اللحظات الأولى، معتبرين ما حدث اعتداءً على دولة شقيقة، وأعلن الشعب الإماراتي التعبئة العامة، وأقبل العديد من المواطنين على التطوع والتدريب، في إطار دعم جهود مواجهة الاحتلال.

وأكد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في مواقفه وتصريحاته أن الكويت دولة مسالمة ولم تتدخل في شؤون الدول الأخرى، مشدداً على ضرورة مواجهة الاعتداء العراقي.

وشاركت الإمارات في مختلف الاجتماعات العربية واجتماعات مجلس التعاون الخليجي المتعلقة بالأزمة، كما شارك الشيخ زايد في القمة العربية غير العادية التي عقدت في القاهرة يوم 10 أغسطس 1990، وأكد الشيخ زايد خلال تلك المرحلة أن دول مجلس التعاون الخليجي وقفت جميعها في مواجهة المعتدي، في موقف عكس وحدة الموقف الخليجي تجاه الغزو.

الدور المصري في تحرير الكويت

يشعر قطاع كبير من الشعب الكويتي بالتقدير للدور الذي لعبه الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، نظراً لمشاركة مصر الفاعلة في التحالف الدولي لتحرير الكويت، ودورها السياسي والعسكري خلال الأزمة.

وكان للرئيس الراحل مبارك دورا رئيسا في اصدار قرارات مؤثرة صادرة عن اجتماع جامعة الدول العربية الذي عقد عقب الغزو العراقي لدولة الكويت في 2 أغسطس 1990، فقد عقد مجلس جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً على مستوى وزراء الخارجية في مقر الجامعة العربية بالقاهرة في 10 أغسطس 1990، لبحث تداعيات الأزمة.

وشهد الاجتماع نقاشات مكثفة بين الدول العربية حول سبل التعامل مع الغزو، وانتهى بإصدار قرار يدين احتلال الكويت ويؤكد احترام سيادتها واستقلالها، ويطالب العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الأراضي الكويتية. كما وافق المجلس، بأغلبية الأصوات، على دعم إرسال قوات عربية للمساهمة في حماية المملكة العربية السعودية ودول الخليج، في إطار الجهود الرامية إلى مواجهة تداعيات الأزمة.

وقد مثل هذا الاجتماع محطة مفصلية في الموقف العربي، إذ عكس انقساماً في وجهات النظر بين بعض الدول، لكنه أكد في الوقت ذاته رفض غالبية الدول العربية المساس بسيادة دولة عربية بالقوة وضرورة إعادة الشرعية إلى الكويت.

وساهمت جمهورية مصر العربية بدور بارز ومحوري في تحرير دولة الكويت عام 1991، حيث كانت من أوائل الدول التي أدانت الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 1990، وأعلنت رفضها القاطع لانتهاك سيادة الكويت.

ولم يقتصر الموقف المصري على الدعم السياسي والدبلوماسي، بل شاركت القوات المسلحة المصرية بفاعلية ضمن قوات التحالف الدولي والقوات العربية، إذ دفعت بعشرات الآلاف من الجنود الذين أسهموا في العمليات العسكرية التي انتهت بتحرير الكويت في 26 فبراير 1991.

وقد جسدت المشاركة المصرية عمق العلاقات الأخوية بين الشعبين المصري والكويتي، والتزام مصر بحماية الأمن القومي العربي والدفاع عن الشرعية الدولية، وهو موقف لا يزال يحظى بتقدير واسع في دولة الكويت ويُعد محطة مضيئة في تاريخ التعاون والتضامن العربي.

قرارات مجلس الأمن بعد الغزو العراقي


خلال الفترة من عام 1990 وحتى عام 2000، أصدر مجلس الأمن الدولي 53 قراراً متعلقًا بالعراق، تناولت مختلف جوانب الأزمة الناتجة عن غزو الكويت.

وكان القرار رقم 660، الصادر في 2 أغسطس 1990، أول قرارات المجلس، حيث طالب العراق بالانسحاب الفوري من الأراضي الكويتية دون شروط.

وتوالت بعدها القرارات التي فرضت عقوبات اقتصادية على العراق، وطالبت بتدمير أسلحة الدمار الشامل، وفتح قنوات للحوار لحل الأزمة.
وفي 6 أغسطس 1990، صدر القرار رقم 661 الذي فرض حظراً اقتصادياً على العراق، مع استثناء الإمدادات الطبية والغذائية.

كما صدر القرار رقم 687 في 3 أبريل 1991، والذي طالب العراق بالكشف عن أسلحة الدمار الشامل وتدميرها، إضافة إلى ترسيم الحدود مع الكويت ومنع توريد الأسلحة للعراق.
أما القرار رقم 887 الصادر في 2 أكتوبر 1992، فقد أدان عدم التزام العراق ببعض قرارات مجلس الأمن، وطالب بإعادة الممتلكات الكويتية التي استولى عليها خلال فترة الاحتلال.

اتخذ مجلس الأمن 17 قرارًا متعلقاً ببرنامج النفط مقابل الغذاء، وكان أولها القرار رقم 986 الصادر في 14 أبريل 1995، بهدف تخفيف آثار الحصار الاقتصادي على الشعب العراقي.

واستمرت القرارات المتعلقة بالبرنامج في متابعة تنفيذه وتمديد فتراته كل 6 أشهر.

العلاقات الكويتية العراقية بعد سقوط نظام صدام
بعد سقوط نظام صدام حسين، صدرت تصريحات عراقية رسمية حاولت تهدئة الأوضاع والتأكيد على أن الغزو كان قراراً يخص نظام صدام وليس الشعب العراقي.
وشهدت العلاقات الكويتية العراقية لاحقاً تطورات إيجابية، حيث أكد مسؤولون عراقيون أهمية تجاوز الماضي والعمل على تعزيز التعاون بين البلدين.

وقالت مصادر عراقية إن العلاقات بين البلدين شهدت تطوراً ملحوظاً، مؤكدة وجود رغبة مشتركة في تحقيق الاستقرار.

وأشارت إلى أن العراق تعامل مع عدد من القرارات الدولية الخاصة بالكويت، ومنها قرارات الحدود والتعويضات والأسرى والمفقودين.

ملف التعويضات والأسرى والمفقودين

أقر مجلس الأمن تعويض الكويت عن الخسائر التي لحقت بها خلال الغزو، وتم إنشاء لجنة الأمم المتحدة للتعويضات عام 1994.. وفرض على العراق دفع نحو 52 مليار دولار تعويضات للكويت والمتضررين، فيما استمرت عملية السداد وفق الإجراءات الدولية.
كما ظل ملف الأسرى والمفقودين من أبرز القضايا العالقة، حيث تعددت المطالبات بأن يكشف العراق عن مصير نحو 605 أشخاص من الكويتيين وغير الكويتيين الذين فقدوا خلال الاحتلال.

وتم العثور لاحقًا على رفات نحو 236 أسيراً في مقابر جماعية، بينما بقيت قضية المفقودين جرحاً مفتوحاً لدى العديد من العائلات الكويتية.
رغم مرور سنوات طويلة على الغزو، لا تزال بعض الملفات مرتبطة بتلك المرحلة، ومنها بقية التعويضات، وملفات الممتلكات الكويتية، والأسلحة المدفونة، والألغام ومخلفات الحرب الموجودة في بعض المناطق الكويتية.
ورغم تحسن العلاقات بين البلدين، فإن يوم 2 أغسطس يظل ذكرى مؤلمة في وجدان الشعب الكويتي، بسبب ما خلفه الغزو من آثار إنسانية وسياسية.

محطات من ذاكرة الغزو

شارك عدد من شهود العيان في نقل تفاصيل الأيام الأولى للاحتلال، ومن بينهم الفريق أحمد الرجيب، الذي تعرض للأسر في 4 أغسطس 1990، وظل معتقلًا حتى الإفراج عنه في 27 مارس 1991.

وأوضح الرجيب أن قوات النظام العراقي نقلت الأسرى بين عدة معتقلات خلال فترة الأسر، مشيرًا إلى أن أكثر من 600 عسكري كويتي اعتُقلوا خلال الأيام الأولى من الغزو.
وأضاف أن الأسرى جرى تصنيفهم وفصلهم حسب الجهات العسكرية والرتب المختلفة، قبل توزيعهم على أماكن احتجاز متعددة.

أرقام من الغزو العراقي للكويت

100 ألف قتيل تقريبًا: تشير تقديرات مختلفة إلى أن خسائر القوات العراقية تراوحت بين 70 و100 ألف قتيل، إضافة إلى نحو 30 ألف أسير.

أكثر من 600 أسير كويتي: تعرض أكثر من 600 كويتي وأشخاص من جنسيات أخرى للأسر خلال الاحتلال، ولا يزال بعضهم في عداد المفقودين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى