نيويورك.. وجرح لا يلتئم.. بقلم: مسعد حسني عبدالمقصود

في نيويورك، لا أحد يحتاج إلى أن يذكّره أحد بتاريخ 11 سبتمبر، فالألم محفور في وجدان الناس، وفي جدران المدينة، وفي صمت اللحظات التي يطويها الحزن.
أرى ذلك كلما مررت بجوار أي نصب تذكارية لهذا اليوم، حيث تنساب المياه بلا انقطاع، كأنها دموع مدينة ترفض أن تجف.
لم يكن الحادي عشر من سبتمبر 2001 يوماً عابراً في التاريخ، بل لحظة غيّرت وجه العالم بأسره. أذكره كما لو كان البارحة، فقد كنت حينها أعمل في صحيفة السياسة الكويتية، وتابعنا تفاصيل الكارثة لحظة بلحظة. الصور التي ملأت الشاشات، أصوات الانفجارات بعد ارتطام الطائرات بالبرجين، كل ذلك كنا ننقله على صفحات الجريدة بعيون مذهولة وقلوب ثقيلة.
ما زلت أذكر كيف خُصصت الصفحة الأولى كاملة لصور متتالية للحظة الاصطدام، لتوثّق صدمة لا تُنسى.
كنت يومها بعيدًا آلاف الأميال عن نيويورك، لكنني كنت قريبًا من الحدث بحكم عملي في الصحافة، لم يكن الأمر مجرد خبر، بل كان زلزالاً في المعنى: زلزالاً أصاب صورة أميركا التي بدت عصيّة على الجراح، وزلزالاً أصاب كل من تابع الكارثة، لأن العالم بأسره استيقظ على حقيقة أن شيئًا ما قد تغيّر إلى الأبد.
واليوم، بعد نحو عقدين ونصف من الزمن، أعيش في نيويورك نفسها. كلما حلت هذه الذكرى، أشعر أنني أعود بالزمن إلى تلك الساعات التي قضيتها في غرفة الأخبار، أتابع التفاصيل، لكن الفارق أنني الآن أرى الجرح من الداخل، لا من مسافة بعيدة.
لقد علمت من الناس هنا أن نيويورك لم تعد كما كانت قبل 2001.
لا أحد يذكر تلك السنوات إلا ويشير إلى الفقدان الذي أصاب العائلات، والصرامة التي غلّفت القوانين، والرهبة التي تسللت إلى قلوب سكان المدينة.
الحادث لم يترك أثره على المباني التي انهارت فقط، بل على وجدان المجتمع كله.
في كل ذكرى، يتوقف الزمن في نيويورك.. تُتلى أسماء الضحايا واحدًا واحدًا، وتُرفع الصور، وتُقرع الأجراس في نفس توقيت سقوط البرجين. إنه طقس يمزج بين الحزن والوفاء، حيث يتوارث الأبناء ذكرى آبائهم، وتتعهد المدينة بأن الغياب لن يُمحى من الذاكرة.
لكن ما يثير في نفسي التأمل أن تلك الحادثة لم تعصف بنيويورك وحدها، بل أعادت تشكيل علاقة المدينة بالعالم، لدرجة هناك من رأى في ذلك الهجوم الإرهابي بداية عهد جديد من الصراع وعدم اليقين. أما أنا، فكنت وما زلت أراه تذكرة مؤلمة بأن العنف، أينما كان مصدره، لا يجلب سوى مزيد من الألم والدموع.
هذه الذكرى ليست مجرد تاريخ أو صور أو مشاهد محفوظة في أرشيف الصحف والقنوات والمنصات، بل شهادة حية على أن العالم بعدها لم يعد كما كان، وأن الإنسان، مهما كان موضعه من الأرض، يظل شريكًا في الألم كما هو شريك في الأمل.
رسالتي اليوم، وأنا أكتب من قلب نيويورك، أن هذا الجرح الكبير لم يتحول إلى استسلام، بل إلى درس في الصمود.
أهل المدينة يقدمون في كل عام مثالاً على الوفاء والذاكرة الحيّة.
ومن هنا أوجه رسالتي لأبناء الشرق الأوسط بأنه إذا كانت نيويورك، رغم ما أصابها من فاجعة، قد نهضت من تحت الركام لتواصل مسيرتها عصيةً على الانكسار، فإن منطقتنا المنهكة بالحروب والنزاعات قادرة كذلك على أن تنهض، إذا ما تشبثنا بالأمل وحافظنا على إنسانيتنا.
وإذا حددنا أهدافنا وتحلينا بالإصرار والعزيمة سنرمم إخفاقاتنا وسنشيد ما نريده من تقدم وازدهار.
الحقيقة الثابتة أن الألم واحد، والإنسانية واحدة، وما يبقى في النهاية ليس الخراب، بل إرادة الحياة. فلنتكاتف فينا بيننا لنواصل مساعينا نحو البناء والتعمير بنية صادقة وقلوب منفتحة لما فيه خدمة الإنسانية.
mosaad00121@gmail.com





