مقالات

ضوء في آخر النفق.. الغل المصري.. ينبت في قلوب ميتة !

 بقلم: محمود الشربيني

قبل أن نقرأ.. على هامش تفشي حالة ” الغل” التي نراها بأم أعيننا كل الوقت: في الشارع.. في المؤسسات.. في العمل، في القطارات، على البلاجات.. نراها في نظرات عيون “بتطق شرار”.. في عدم اكتراث الناس أثناء المرور بجوارك.. هذا يخبطك من الأمام. أو يلوشك من الخلف ..وثالث يزقك.. أو يتجاوزك حتى أنك قد تسقط أرضا.. فيدهسك المارة بلا هوادة أو اكتراث ومن دون أن “تصعب حالتك على الكافر حتى”!( معرفش ليه الكافر ؟!) ما الغريب في الأمر؟! هذا حال شارعنا الجديد.. العصري.. ابن التقدم والتطور والإنترنت (أو الإنتر- زفت). لا أحد يحدثنا عن كتاب الدكتور جلال أمين ماذا حدث للمصريين.. فالواقع أصبح أسخن.. وتجاوز الماضي.. كل الماضي من سنين.. انظر لحالك.. وانظر لحالي ولننظر معا لحالنا جميعا.. هل نحن هؤلاء المصريون الذين كنا نشتهر بأننا أولاد نكتة.. ساخرون حتى النخاع ..إذا لم يجدوا من -وما- يسخرون منه يسخرون من أنفسهم ؟!

 “طب هل صليت على النبي اليوم ؟” !!!!! السؤال الأهم من ذلك العبث هو: هل شاهدت يا “مؤمن” كم “الغل” غير الطبيعي الذي يظهر تباعا وباستمرار في سلوك وتصرفات وأفكار ونظرات وحركات أجسام الناس في مصر في السنوات.. بل في الأشهر القليلة الأخيرة؟!

العنف ظاهرة عالمية.. تجد برنامجا يتحدث فيه نجوم سياسة ومجتمع وفجأة تتحول اللباقة إلى أحذية تتطاير في الهواء.. ولكمات تتسلل من الأيدي إلى الأجسام والوجوه.. مع شتائم “من اللي قلبك يحبها” (طبعا هي جملة تعتبر نوعا من المبالغة الكاذبة جدا.. جدا. فليست هناك شتائم يحبها القلب. أي قلب. سوى القلوب المريضة).

مع صراع الفضائيات حدث هذا على قناة الجزيرة أولا .. ثم انتقل إلى فضائيات “الأفسال”.. التافهين.. المقلدين.. ووصل الأمر إلينا.. فتبادلنا الشتائم مع الجميع: المستشار تركي والمستشار مرتضي.. ممدوح عباس.. الخطيب.. مصطفي يونس.. مجدي “متنساش الجول الذي أحرزه في كأس العالم”.. ولايزال الضرب والشتيمة يعملان بشكل أو بآخر في مجالات مختلفة!

الذي ينبغي ملاحظته هنا هو تحولنا من تلك اللحظة الحضارية التي رصدها يوسف إدريس ذات مرة في شهادته على العصر(أدلى بها للإذاعي الكبير عمر بطيشة).. كان إدريس يتحدث عن الخناقة الحضارية بين المصريين، والتي يلجأ فيها الطرفان إلى رفع الصوت والزعيق.. وقول كلام مرسل من عينة “والله لاوريك”.. “انت مبتفهمش”.. “طب تعالى لي بس وأنا أفرجك” .. ومع زعقة من هنا وشخطة من هناك يتكهرب المتفرجون.. ويتدخلون للتهدئة، فيأخذ شخص أحد المتخانقين بعيدا ليطيب خاطره.. وبالتالي يطيب خاطر الآخر.. وتنتهي الخناقة الحضارية التي يحرص طرفاها على عدم إيذاء الآخر ولو بكلمة ( الكلام أصله بيلزق كما تعلمنا في ريفنا زمان) ومادام لم يحدث أي تجاوز فالخناقة الحضارية تنتهي.. وإلا! الآن لا .. لا يوجد هذا الكلام، المصريون أصبحوا بالملايين في غياب تام للدكاترة – كبار مشخصاتية الأمراض الاجتماعية – أنور عبد الملك وسامية الساعاتي ومحمد خليفة وسيد عويس وعلى فهمي وسيد ياسين.. وحتى مراد وهبة.. انشغل أكثر بالتسامح الثقافي.. على حساب التنوير الاجتماعي.. بقي نبيل عبد الفتاح وحده راصدا المتغيرات العاصفة التي تمكنت من المجتمع المصري.. لكني أظن أنه لم يقترب بعد من لحظة” الغل” بنوعيه الشعبي والرسمي.. العنف الذي يجتاح أو يتضمن أفكار وثقافات وسلوكيات قطاعات عديدة من المصريين.. وفيه يسب الدين، وتبرز الأسلحة والمطاوي والسنج والشوم والأسياخ الحديدية!. “الغل النظامي.. أو الرسمي .. أو القانوني.. “بتنا نشاهده علنا .. ومن وحي لحظاته المريرة المتكررة في حياة شعبنا المعلوم المكلوم المتعب المهدور كرامته تجده في تصريحات غريبة لمحافظ يتصور أنه حاكما بأمره . فيأمر ناظر مدرسة بأن يخلع نظارته الطبية من على عينيه متوهما أنها نظارة “عياقة “و”منجهة” و”منظرة “على خلق الله.. ثم يشاء الله أن يفضحه، عندما يتهمه بأنه اختار لنفسه في المدرسة مقرا شاسعا لمكتبه.. ثم يتبين أن المدراء لا يختارون مكاتبهم.. وإنما الوزارة.. لأنها تعد لهم فيها تجهيزات معينة!

لا نعرف ماذا حدث للمدير، وهل وقع له رد فعل كزميله الذي راح سابقا ضحية إهانة -أو غل – محافظ آخر أيضا؟ مشهد الغل الذي شاهدته مصر كلها بالأمس وأنبأ عن متغيرات عاصفة. كان يتمثل في تلك اللكمات الساحقة الماحقة المتكررة.. من جانب ضابط لسايس جراج القضاة. لم يكتف” الضارب باللكميات بلكمية واحدة او اتنين أو ثلاثة.. “ربما وجدها فرصة ليثبت أنه قادر مثل سلفستر ستالون -في فيلم كريد- على إثبات أنه لايقل قدرة عنه في الملاكمة ولو كانت في الشارع.. أمام نادي من أندية القضاة؟! كيف لم يمنع الملاكم “الضريبة” نفسه من الإفراط في هذا الغل؟ هل هو مكبوت في بيته أو في عمله فوجدها فرصة سانحة للتنفيس عن الغل الكامن بداخله؟! لم يكتف بلكمة وواحدة وإنما تعددت اللكمات وطارد بها السايس من الشارع إلى الرصيف.. ولم يقل له أحد انت فين؟! وماذا تفعل؟! أحدهم انشغل بتوثيق الحادث الظالم المريع الفظيع.. وترك السايس يتلقى علقة ساخنة نصفها كبسطاء بقولنا: “ما أكلهاش حرامي في سرقة”!! الغل في المجتمع المصري أصبح مادة يومية تمارس بكل غضب وجنون.. وبسبب هذا التحول الرهيب في الإيذاء والتعبير عن الغضب.. لم يعد ممكنا أن يحدث ما كان يحدث سابقا من الكتاب الكبار! كتاب الأعمدة اليومية الفطاحل..زمان.. زمان أوي.. زمان جدا.. كانوا يستصعبون الكتابة اليومية.. يتهيبونها ويحاولون الفكاك منها.. احتراماً للكتابة.. وأيضا لأن القضايا العامة زمان.. كانت تشبه قماشة محدودة التنوع.. بل فقيرة جدا خلافا لهذه الأيام.. مساحة الأفكار الجديدة والمتميزة والجذابة قليلة في الماضي مقارنة بهذه الأيام. القماشة واسعة جدا. ومليئة بالجديد والجذاب والعميق. بل وبكل أسف وحزن ـ المهين.. كل لحظة.. في الماضي الكتاب الكبار كانوا يخشون ملل القراء. ويتحسبون من سقوطهم في فخ التكرار. انتهت هذه المخاوف الآن الموضوعات والقضايا بالجملة.. كل لحظة هناك كارثة تدمر كرامة هذا الشعب.. الآن.. الضابط يمكنه أن يصبح ملاكما.. أو بلطجيا يضرب الناس ويركلهم ويصفعهم بلا توقف وبلا أدني اعتبار لشيء.. الآن: الفنان يصفع المعجب.. الآن: البلطجي يقطع رأس الغريم بالسيف ويدور بها في الشارع علنا. الآن.. الشبيحة واللى بايعين دمهم يهوون بالسنج والأسلحة على رؤوس الناس سواء جيرانهم أو غيرهم.. بكل قسوة وبكل خسة.. وبكل نظرات الحقد والغل.. إنهم ليسوا في مواقع تتيح لهم ممارسة الغل النظامي .. القانوني.. ولا تجد شرطيا واحدا يمكنه أن يقوم بدوره في ضبط المجرمين! الآن: الوزير يزور أوراق تعيينه.. الآن الوزير يهين المرضي لأنهم لم يشكروا الدولة لأنها تعالجهم. الآن الوزير يقول الطرق كويسة لكن ضحاياها وشهداءها المصرية دماؤهم على طرق الموت “هما اللي مبيعرفوش يركبوا المواصلات”!!!!! شعب وجد من يحنو (يهنو عليه في الحقيقة) عليه.. للأسف الشديد!! كيف لولي أمر في هذا الشعب ألا تأخذه رحمة بالناس فيحزن لحزنهم ويشاركهم حزنهم العارم.. وعلى الأقل يعتذر لهم! لو كانت لنا قيمة حقيقية كبشر لذهبنا إلى بيت السايس الذي اتفضح ضربا وإهانة واعتذرنا له. هذا أقل ما يجب! بعد أن قرأت.. لنسأل أنفسنا الآن من نحن فعلا؟! هل نحن المصريون “بتوع زمان فعلا”؟ هل نستطيع ترميم وجبر خواطر الناس أم إننا سنترك لغة السنج والمطاوي والغل الشديد تتفتح كل يوم حتى تغلق حدائق الزهور والورود عندنا وتفتح أبواب جهنم أمام كل شيطان رجيم.. ربما يملك بعض السلطة والسطوة والقوة والمال.. أو لديه فقط غل وقلب ميت!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى