المفك الكويتي حجاج بوخضور يكتب: حين تصف العربية المجيء وتُخفي الأفعال النوايا

من ثراء العربية ودقة بيانها أنها تميّز أحوال المجيء؛ فمن جاء من سفر قدِم، ومن اتجه نحوك أقبل، ومن شهد مجلسك حضر، ومن قصدك للزيارة زار، ومن أتاك ليلا طرق، ومن بلغ موردا ورد، ومن جاء وافدا وفد.
لكن المفارقة أن دقة وصف المجيء لا تعني معرفة نوايا القادمين؛ فاللغة تصف الفعل وملابساته، وقد توحي بمقاصده، لكنها لا تكشف بالضرورة دوافع فاعله.. وحيث تغيب القرائن المعتبرة، يكون حسن الظن أولى من إساءة التأويل…
فليس كل إقبال محبة، ولا كل زيارة مصلحة، ولا كل حضور وفاء، ولا كل غياب جفاء؛ فقد تتشابه الأفعال وتختلف المقاصد…
نفسيا، قد يدفعنا الانحياز التأكيدي إلى تفسير حضور من نحب وفاء، وغياب من نختلف معه جحودا؛ فنخلط بين الوقائع وتأويلاتنا لها…
واجتماعيا، تُختبر العلاقات بصدق المعاملة وثبات المواقف، لا بكثرة اللقاءات؛ فقد يحضر المرء لمصلحة، ويغيب لعذر، ويحفظ الود دون لقاء…
وهنا يتجلى الفرق بين الوصف والاستدلال؛ فالفعل واقعة تُلاحظ، والنية مقصد يُستدل عليه بالقرائن، دون الجزم بخفايا النفوس…
فدقة اللغة لا تعني عصمة التأويل؛ فقد نُحسن وصف ما نرى، ونُخطئ فهم ما وراءه…
والحكمة أن نحكم على الأفعال بما تثبته شواهدها، ونحسن الظن حيث تغيب قرائن خلافه؛ فلا نجعل الظنون حقائق، ولا نحاكم السرائر بظاهر التصرفات.HB




