اخبار عاجلهمقالاتمقالات كتاب الموقع

المفكر الكويتي حجاج بوخضور يكتب: ضراتويفسكي: فيلسوف القيل والقال

إذا كان دوستويفسكي روائيا روسيا غاص في أعماق النفس البشرية، فعندنا في المنصات والفضائيات “ضراتويفسكي”؛ مفكر من طراز عجيب، لا يُطرح موضوع إلا ويصبح مرجعا فيه، ولا يُوجّه سؤال إلا ويتصدر للإجابة، ولا يُفتح مجلس إلا ويستولي على الحديث؛ حتى يخيل إليك أن المعرفة خُلقت له، والآخرين حضروا للاستماع!…

تسأله في السياسة فيصبح محللا استراتيجيا، وفي الشأن العام مصلحا اجتماعيا، وفي الإدارة مستشارا، وفي التاريخ يروي ما فات المؤرخين تدوينه!…

أما مصادره، فخليط من سوالف مرسلة، وحكايات مبتورة، وقيل وقال، وما تجود به قريحته من خيال وخبال.. يبدأ بمعلومة لا أصل لها، ويربطها باستنتاج لا صلة له بها، وينتهي إلى حكم قاطع، كأن يقينه برهان على صحة قوله!…

والمفارقة أنه كلما ضاقت معرفته اتسعت ثقته، وكلما قلّت أدلته ازدادت أحكامه؛ فلا يعرف للعلم حدودا، ولا للحوار إصغاء، ولا للشك فضيلة تحمي العقل من غرور اليقين…

ومشكلته ليست في جهله، بل في جهله بحدود جهله؛ إذ يحسب الاعتراف بعدم المعرفة انتقاصا من مكانته، فيعوّض نقص الحجة بارتفاع الصوت والشتائم، وضحالة الفكرة بوفرة الكلام…

والأطرف أن المنصات قد تصنع نجوميته بدلا من كشفه؛ ففي سوق الانتباه، يُكافأ الواثق أكثر من العارف، وصاحب الجواب السريع أكثر من صاحب السؤال العميق، حتى يصبح الظهور شهادة خبرة، والمتابعون قرينة معرفة!…

كان دوستويفسكي يغوص في أعماق النفس ليكشف تعقيداتها، أما ضراتويفسكي فيغوص في أعماق جهله ليخرج بيقين جديد!..

فالأول يكتب ليوقظ فيك السؤال، والثاني يتكلم ليقنعك بأنه يملك الأجوبة كلها؛ والأول يترك لك مساحة للتفكير، والثاني لا يترك لك حتى فرصة للسؤال!…HB

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ad 12 all pages
زر الذهاب إلى الأعلى