في مثل هذا اليوم 8 أكتوبر 1973| اليوم الثالث من حرب أكتوبر.. مصر تثبّت العبور وإسرائيل تحاول قلب المعركة

إعداد وتقديم: أمجد جلال
لم يكن يوم 8 أكتوبر 1973 يومًا عاديًا في حرب أكتوبر.
فبعد يومين من عبور القوات المصرية قناة السويس واقتحام خط بارليف، دخلت المعركة مرحلة جديدة؛ مصر تعمل على تثبيت قواتها شرق القناة وتوسيع وجودها، وإسرائيل تحاول شن هجوم مضاد لاستعادة المبادرة، بينما بدأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة دولية يمكن أن تتطور إلى مواجهة أوسع.
🇪🇬 ماذا حدث على الجبهة المصرية؟
في هذا اليوم واصلت القوات المصرية تعزيز مواقعها شرق قناة السويس، وكانت القوات الإسرائيلية قد بدأت محاولات مضادة لاستعادة الأراضي التي فقدتها.
وتشير وثيقة أمريكية أُعدت في واشنطن يوم 8 أكتوبر إلى أن القوات المصرية كانت قد حققت وجودًا قويًا على الضفة الشرقية للقناة، مع تقديرات أمريكية بعبور ما لا يقل عن 500 دبابة ونحو 20 إلى 25 ألف جندي إلى الشرق. كما رصدت الوثيقة تكثيف إسرائيل لهجماتها الجوية تمهيدًا لمحاولة التصدي للقوات المصرية.
وفي الجبهة الشمالية من منطقة القناة، تمكنت القوات المصرية من تحرير مدينة القنطرة شرق بعد معارك عنيفة، وأُسر عدد من الجنود الإسرائيليين، واستولت القوات المصرية على أسلحة ومعدات. كما تمكنت قوات الجيش الثالث من السيطرة على منطقة عيون موسى.
ولم يكن القتال على الأرض وحده؛ فقد شهدت الجبهة الجوية معارك عنيفة، وأعلنت القيادة المصرية في بياناتها آنذاك أرقامًا كبيرة للخسائر الإسرائيلية في الطائرات. وهذه الأرقام تُذكر باعتبارها بيانات عسكرية مصرية صدرت وقت الحرب، لا باعتبارها حصيلة مستقلة نهائية.
🇮🇱 إسرائيل تحاول استعادة المبادرة
في المقابل، كان يوم 8 أكتوبر يومًا مهمًا للجيش الإسرائيلي.
فقد بدأت إسرائيل هجمات مضادة على الجبهة المصرية، في محاولة لضرب القوات المصرية التي عبرت القناة وإجبارها على التراجع.
وتكشف وثائق أمريكية داخلية أن واشنطن كانت تتابع الهجوم الإسرائيلي لحظة بلحظة. وفي اجتماع مجموعة العمل الخاصة بالشرق الأوسط في واشنطن مساء 8 أكتوبر، قال رئيس هيئة الأركان الأمريكية إن الإسرائيليين كانوا يهاجمون على امتداد خط القناة، وإن زخم المعركة بدأ يتغير، متوقعًا أن يكون اليوم التالي نشطًا جدًا عسكريًا.
لكن الهجمات الإسرائيلية في ذلك اليوم لم تُنهِ الوجود المصري شرق القناة، واستمرت القوات المصرية في تعزيز مواقعها.
🔥 معركة أخرى.. ولكن من أجل النفط
لم تكن الحرب تدور فقط حول الدبابات والمواقع العسكرية.
في 8 أكتوبر شنت القوات المصرية غارة على حقول بترول بلاعيم في منطقة خليج السويس، بهدف حرمان إسرائيل من الاستفادة من المنشآت النفطية الموجودة في المنطقة.
وتذكر وثائق أمريكية أن القاهرة أعلنت عن إشعال النيران في عدد من آبار بلاعيم وإغراق حفار نفطي، في واحدة من العمليات التي أظهرت أن الموارد الاقتصادية والبترولية أصبحت جزءًا من حسابات الحرب.
وهكذا بدأ النفط يظهر مبكرًا في المشهد، لكن من المهم جدًا عدم الخلط بين هذا الحدث وبين الحظر النفطي العربي الذي جاء لاحقًا في أكتوبر.
🇺🇸 ماذا كانت تفعل أمريكا؟
في واشنطن كانت الصورة تتغير بسرعة.
ففي الأيام الأولى كانت الولايات المتحدة تراقب المعركة وتحاول تقدير اتجاهها، لكن تطورات 8 أكتوبر دفعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة حساباتها.
وفي اجتماع مجموعة العمل الخاصة بالشرق الأوسط مساء ذلك اليوم، كان هنري كيسنجر يتابع التطورات مع مسؤولي الخارجية والدفاع والاستخبارات ورئاسة الأركان الأمريكية.
والوثائق الأمريكية تكشف أن واشنطن أصبحت ترى أن الحرب لن تنتهي بسرعة، وأن المعركة في الجنوب، أي على الجبهة المصرية، ما زالت مفتوحة.
والأهم أن الولايات المتحدة كانت بالفعل تستعد لاحتمالات أوسع للأزمة.
ففي اجتماع 7 أكتوبر السابق، كانت الإدارة الأمريكية قد طلبت إعداد خطة طوارئ في حال حدوث قطع أو تخفيض لإمدادات النفط، كما بدأت دراسة تحركات عسكرية احترازية.
لكن هنا يجب تسجيل نقطة تاريخية مهمة:
الحظر النفطي العربي على الولايات المتحدة لم يبدأ يوم 8 أكتوبر.
القرارات النفطية الكبرى جاءت لاحقًا، خصوصًا في 17 أكتوبر وما بعده.
🇷🇺 وماذا عن الاتحاد السوفيتي؟
في الوقت نفسه كانت موسكو تتحرك دبلوماسيًا.
فالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، باعتبارهما القوتين العظميين في ذلك الوقت، بدأتا تتعاملان مع الحرب باعتبارها أزمة يمكن أن تؤثر مباشرة في التوازن الدولي.
وفي الأيام التالية أصبح وقف إطلاق النار ومحاولة الوصول إلى صيغة سياسية من أهم الملفات المطروحة بين واشنطن وموسكو.
وهكذا، بحلول اليوم الثالث من الحرب، لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية على جبهتي سيناء والجولان؛ بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى أزمة دولية كبرى.
🇸🇦🇰🇼🇦🇪 وماذا كان موقف دول الخليج؟
كانت الدول العربية المنتجة للنفط تراقب تطورات الحرب، وأصبح النفط تدريجيًا ورقة سياسية واقتصادية في الصراع.
لكن مرة أخرى، يجب أن نحافظ على التسلسل الزمني:
8 أكتوبر ليس يوم إعلان الحظر النفطي العربي.
ما حدث في هذا اليوم هو أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تستعد لاحتمال استخدام النفط العربي كورقة ضغط، بينما جاءت القرارات النفطية العربية الكبرى بعد ذلك بأيام.
وهنا تظهر أهمية حرب أكتوبر باعتبارها حربًا لم تتغير فيها خريطة الجبهة العسكرية فقط، وإنما بدأت أيضًا بإعادة تشكيل العلاقة بين النفط والسياسة الدولية والحرب العربية الإسرائيلية.
🇪🇬 بورسعيد تحت القصف
وفي الوقت نفسه، تعرضت بورسعيد للقصف الإسرائيلي خلال الحرب.
وأعلنت القيادة المصرية وقتها وقوع أضرار وخسائر نتيجة القصف، بينما واجهت المدينة الهجمات مع استمرار المقاومة والدعم الشعبي للمجهود الحربي. وتورد الرواية الرسمية المصرية أن يوم 8 أكتوبر شهد صد هجوم إسرائيلي على بورسعيد.
⏳ ماذا كان يعني يوم 8 أكتوبر؟
بعد ثلاثة أيام فقط من بداية الحرب، كانت الصورة قد تغيرت بصورة كبيرة.
في 6 أكتوبر:
🇪🇬 القوات المصرية تعبر قناة السويس وتقتحم خط بارليف.
في 7 أكتوبر:
🇪🇬 تستمر عمليات تثبيت رؤوس الكباري وتوسيع العبور.
في 8 أكتوبر:
🇪🇬 مصر تعزز وجودها شرق القناة وتحرر القنطرة شرق وتسيطر على عيون موسى.
🇮🇱 إسرائيل تبدأ هجومًا مضادًا واسعًا لمحاولة استعادة المبادرة.
🇺🇸 واشنطن تعيد حساباتها وتبدأ في التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة طويلة ومعقدة.
🇷🇺 موسكو تتحرك سياسيًا بالتوازي مع تطورات الميدان.
🛢️ النفط يبدأ في الظهور كعامل مهم في حسابات الحرب، بينما الحظر النفطي العربي سيأتي لاحقًا.
🇪🇬 8 أكتوبر 1973.. اليوم الذي بدأت فيه الحرب تتجاوز حدود الجبهة
لم تعد حرب أكتوبر بعد يومها الثالث مجرد عملية عبور لقناة السويس.
لقد أصبحت معركة عسكرية على الأرض، ومعركة في السماء، وصراعًا على الموارد، وأزمة سياسية تتحرك حولها واشنطن وموسكو والعواصم العربية.
كانت مصر قد عبرت القناة بالفعل، وإسرائيل تحاول استعادة ما فقدته، والقوى الكبرى بدأت تكتشف أن الحرب التي بدأت في السادس من أكتوبر لن تكون أزمة قصيرة يمكن تجاوزها بسهولة.
ومن هنا بدأت قصة جديدة في حرب أكتوبر.. قصة المعركة التي ستجمع بين الميدان العسكري، والسياسة الدولية، والنفط، والضغط الأمريكي والسوفيتي.
🇪🇬 8 أكتوبر 1973.. اليوم الثالث من حرب أكتوبر.
إعداد وتقديم: أمجد جلال




